الصفحة الرئيسيةإتصل بنا

 





 
 



فاطمة الزهراء (عليها السلام)

القدوة ومظهر الفضائل ورمز الطهارة
 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

الحديث عن العظماء مهمة جليلة وخطيرة في الوقت نفسه. أمّا جلالتها، فلأنها تهدف إلى تقديم المثل الأعلى والقدوة الصالحة لإنساننا التائه الحيران، سعياً إلى إنقاذه من متاهات الحيرة والضياع، والأخذ بيده إلى شاطئ السلامة وبرّ الأمان. وأمّا خطورتها، فيعود الى ما قد يكتنف شخصية العظماء من غموض وضبابية فرضتها العوامل التاريخية، وأهمها أن صانعي التاريخ لا يروق لهم في كثير من الأحيان أن تبقى صورة العظماء نقيّة جليّة، فيعمدون إلى تشويهها وإثارة الغبار حولها، ما يحجب عن الأجيال الآتية وضوح الرؤية، وربما يساهم المحبّون في تشويه صورة عظيمهم عندما يندفعون إلى تضخيم شخصيته وإحاطتها بهالة من الخرافات والأساطير .

وبقدر ما يكون الحديث عن شخصية العظماء والأبطال أمراً نافعاً ومفيـداً إذا اتسـم المتحدث بالموضوعيـة وترك ميولـه وأهـواءه العصبية جانباً، بقدر ما يـكون ـ هـذا الحديث ـ ضاراً وخطراً إذا فقد المتحـدّث تلك الضوابط والأسس وخرج عليها.

وإن تاريخنا الإسلامي لم يكن بدعاً من تاريخ الأمم والشعوب، فقد لعبت الأهواء والعصبيات دورها الكبير في تدوينه وكتابته، وألقى الوضّاعون والقصّاصون ما في جعبتهم من خرافات وأساطير، فتلقّفها كاتبو التاريخ على أنّها الحق والحقيقة، فكانت المحصّلة ما عرف فيما بعد بـ "الموضوعات في الأخبار والآثار" و"الإسرائيليات" و"الأخبار الدخيلة".. وتزداد الصورة تعتيماً وتعقيداً إذا تعلّق الأمر بتاريخ أهل البيت(ع)، والسبب في ذلك أنهم رفضوا الاعتراف بشرعية السلطات المتصدية لخلافة رسول الله(ص)، وشكلوا مع أشياعهم وأتباعهم الخط المعارض لتلك السلطات، وتحملوا في هذا السبيل الظلم الكبير والقهر الطويل والأذى المتواصل.

 

وكان من أكبر الظلم الذي لحق بهم هو العمل على تشويه صورتهم الناصعة البيضاء، لقتلهم معنوياً بعد أن قتل أكثرهم أو كلهم جسدياً، وكثرت محاولات التعتيم الإعلامي لطمس دورهم الكبير في صيانة العقيدة الإسلامية وحراسة الشريعة المقدسة من بغي الجاحدين وشبهات الملحدين وشذوذ المغالين. وكان نصيب سيدتنا فاطمة الزهراء(ع) من هذا التعتيم كبيراً، وحظها من ذاك التشويه وافراً . لكن لأن الله يأبى إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولأنّ على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً، كان لا بدّ لنور أهل البيت(ع)، وهو نور الإسلام، أن يشقّ الظلام مهما كان دامساً، ولا بدّ لحقهم أن يرسل أشعته إلى كل الآفاق مهما كانت نائية وبعيدة، ولم تستطع ولن تستطيع كل محاولات التشويه والتعتيم أن تحجب ذاك النور، أو تمنع الفجر من الظهور، وكما قالت عقيلة بني هاشم زينب الكبرى وهي تخاطب يزيد بن معاوية: "فكدْ كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تدرك أمدنا ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذكرنا". لماذا؟ لأن ذكر أهل البيت(ع) هو ذكر الإسلام وأمرهم أمر الإسلام، وقد وعد الله أن يظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. هذه هي سنّة الله ومشيئته، ولن تجد لسنة الله تحويلاً ولا لمشيئته تبديلاً.

إننا نريد من خلال هذه الكلمات أن نقدم المثل الأعلى والقدوة الصالحة لإنسان عصرنا التائه الحيران، لا سيّما المرأة التي لا يزال يُفرض عليها أن تفكر وتتحرك كأنثى لا كإنسان، ويتعامل معها البعض على أنها عنصر إغراء لا عنصر إبداع، والتي بدل أن تنطلق لتأخذ حريتها بنفسها وتشارك الرجل في صنع الحياة ، تنتظر  - وللاسف الشديد - أن يمنحها الرجل هذه الحرية، وإذا به يعطيها تحرراً من كل القيم والأخلاق، وبذلك بقيت تعيش على هامش الرجل، الذي حوّلها إلى سلعة تجارية واستغل جسدها للإعلان والدعاية. وانسجاماً مع هذا الهدف ـ وهو تقديم النموذج والقدوة لإنسان العصر ـ فإننا لا نستغرق في التفاصيل التي تقلّ فائدتها، وإنما نركّز على الدروس العمليّة التي يعمّ نفعها، والعبر والمواعظ التي يجب أن نتعلّمها من سيّدة نساء العالمين. اننا لابد أن نقدم الزهراء بإعتبارها الإنسانة الرسالية  التي لا تتحرك إلاّ في طريق الحق ولا يزعجها إلاّ الباطل، والإسلام أكبر همها ومبلغ علمها، بكاؤها للرسالة لا للذات، وفرحها فرح الرسالة لا فرح العبث واللهو، وغضبها غضب للحق لا للقرابة والنسب، وكل خطواتها تسير في خط الرسالة وعلى هدي الرسول (ص) ،وبهذا سادت نساء العالمين، وتفوّقت على نساء المؤمنين.

إذن لابد للسيدة الزهراء(ع) أن تسكن في عقل وقلب  وحياة كل إنسان مسلم، لأنها السيدة الطاهرة النقية التي كانت كل حياتها لله ولرسوله ولعلي وللإسلام كله، بل للإنسان كله ليتعلم منها سموّ الروح وشموخ العقل وطهارة الحس وقوّة المنطق وصلابة الموقف. الزهراء ( عليها السلام ) عاشت عمق المأساة، ولكن دموعها كانت دموع الرسالة على الإنسان الذي أبعدوه عن الخط المستقيم. لقد كانت اهتماماتها في حجم الرسالة لا في حجم الذات، وكانت صرختها في خط القضية لا في لوعة الألم.  أن علينا أن نتعرف على الزهراء الروح والقلب والفكر والموقف، لتكون لنا الرائد الذي لا يكذب أهله، والقدوة التي نتابعها ونتّبعها في حياتنا الإسلامية للرجال والنساء معاً. وبمناسبة شهادتها، تتقدم الامانة العامة للعتبة الكاظمية المقدسة بتقديم هذا الكراس للقراء الذين يرومون - من خلال هذه الكلمات – أن يتجلى فيهم عظمة الزهراء وقداستها وعظمتها،والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ).

 

العتبة الكاظمية المقدسة

16 أيار 2008

 

 

الزهراء(ع) القدوة ومظهر الفضائل ورمز الطهارة

القدوة يمكن أن تكون أنثى كما يمكن أن تكون ذكراً، نطلّ على حياة سيدتنا فاطمة الزهراء (ع) التي هي من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.من هنا حاجتنا إلى الزهراء.. حاجتنا إليها هي حاجتنا إلى القدوة والمثل والنموذج، حاجتنا إليها هي حاجتنا إلى الشخصية التي جمعت كل العناصر الحيّة التي تتوازن وتتكامل فيها الشخصية. إنّ فاطمة الزهراء ( ع) هي مظهر حيّ لفضائل أهل البيت(ع) في كل كلماتها وأعمالها، في زهدها وعبادتها، في أخلاقها ومشاعرها، في إيمانها وتقواها. فاطمة(ع) هي الاسم الذي عندما نذكره أو نتذكره فإنه لا يوحي لنا إلا بالطهارة كأصفى ما تكون الطهارة، وبالنقاء كأعذب ما يكون النقاء، وبالإنسانية التي تعطي الإنسان قيمته، وبالعصمة التي تتمثلها فكراً في فكرها، وخلقاً في أخلاقها، وسلوكاً في كل حياتها، وشجاعة في الموقف مع الحق، شجاعة رسالية لا شجاعة انفعالية.. كانت وقفاتها وقفات من أجل الحق، وكان حزنها حزن القضيّة وفرحها فرح الرسالة، ومثّلت عمق الإسلام في عمق شخصيتها، واختزنت في داخلها كل الفضائل الإنسانية الإسلامية، باعتبار أن كونها سيدة نساء العالمين يفرض أن تكون في المستوى الأعلى من حيث القيمة الروحية والأخلاقية.




سر الاهتمام بالزهراء "ع"

ما يجعلنا نهتم بفاطمة الزهراء "ع" أننا عندما نذكرها نذكر قضية الرسالة التي تحمل عبئها رسول الله "ص" ووصية امير المؤمنين علي ابن ابي طالب "ع" ودور الزهراء فيها، ونذكر حركة الإسلام في القضايا المتحركة التي كانت الزهراء عنصراً حيوياً فيها، إننا نذكرها في ذلك كلِّه، وبذلك نشعر انها معنا في كل قضايانا وانها حيّة تعيش بيننا، فإن أشخاصاً في التاريخ ينتهون عند موتهم ، لأن حياتهم تختصر في مدى عمرهم، وهناك أشخاص يبقون في الحياة ما دامت الدنيا، ليبقوا ما بقيت رسالتهم ويمتدون برسالتهم..وفاطمة الزهراء "ع" تقع في قمة هؤلاء الأشخاص، ذلك أنك لا تستطيع أن تذكر رسول الله "ص" إلا وتذكرها، لأنها صنيعته وروحه التي بين جنبيه ،كما انك لا تستطيع أن تذكر علياً إلا وتذكرها، لأنها شريكته في الحياة والمعاناة، ولا تستطيع أن تذكر الحسن والحسين وزينب "ع" إلاّ وتذكرها، لأنها سرّ الطهر في طفولتهم وشخصيتهم على مدى الحياة. هذا هو سر فاطمة "ع" الذي يفرض علينا أن نبقيها في عقولنا وقلوبنا رسالة وفكراً لا دمعة فحسب، فإننا وإن كنّا لا نملك إلا أن ننفتح عليها بدموعنا، لكن الأهم من ذلك أن ننفتح عليها برسالتها، لأنها عاشت كل دموعها وكل حياتها للرسالة ولم تعشها لنفسها طرفة عين، وهذا هو سر كل أهل البيت "ع" ، أنهم عاشوا للإسلام كله وقدموا حياتهم فداءً للإسلام والرسالة. ومن هنا، فإننا وبكلِّ فخر واعتزاز نعتبر الزهراء "ع" نموذجا حياً ومثلا اعلى جسدت الرسالة الإسلامية أسمى تجسيد، وعاشت في شخصيتها شخصية رسول الله "ص"بعناصرها المميزة والملهمة والمسددة.

الزهراء "ع" في القران الكريم

لقد جاء ذكر أهل البيت "ع" في القرآن الكريم في أكثر من آية من آياته المباركة، ونحن نشير إلى ثلاث آيات تحدثت عنهم فشملت فيما شملت سيدتنا الزهراء "ع".
الآية الأولى:وهي قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً* إنما نُطْعِمُكُم لِوَجهِ الله لا نُريدُ مِنكم جَزاءً وَلا شُكُوراً. سورة الانسان آية 9
يذكر المفسرون من مختلف الفرق الإسلامية ان هذه الآية الشريفة نزلت في علي وفاطمة وولديهما الحسن والحسين "ع"، فقد جاء في تفسير الكشّاف عن ابن عباس، انّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله في ناسٍ معه، فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة ـ جارية لهما ـ إن برئا أن يصوموا ثلاثة أيام. فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله "ص"، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال : خذها يا محمد، هنّاك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة». هذا هو سر أهل البيت "ع"، أنهم يتحركون في كل نشاطاتهم في الحياة لوجه الله، لا يريدون جزاءً ولا شكوراً، وتلك هي القيمة الإنسانية، أن يعطي الإنسان كل ما يملكه لمن يحتاجه من دون انتظار أي مقابل منه، وإنما ينتظر رحمة الله. وتلك هي قيمة أهل البيت ومنهم سيدتنا فاطمة "ع". انها تؤكد على خدمة الإنسان واحترامه والإحسان إليه ورفع الظلم عنه، فإنّ حبَّ الله هو الذي يُترجم إلى عمل، وليس مجرد ترديد كلمات.
الآية الثانية: آية المباهلة
وهي قوله تعالى: {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل(تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (آل عمران :61 ).
ورد في قصة الحوار الذي أداره النبي محمد "ص" مع بعض النصارى من أهل الكتاب، أن النبيّ قد سلك مسلكاً جديداً في معالجة الموقف معهم بعد انتهاء الحوار إلى طريق مسدود، وهو أسلوب المباهلة الذي حدثتنا عنه هذه الآية الكريمة.
ان النبي "ص" ـ بتوجيه من الله تعالى له ـ أراد أن يؤكّد المباهلة في خط التحدي الكبير في موقع الاستعداد لتعريض أعزّ الناس عليه للخطر الآتي من النتائج السلبيّة المطروحة في ساحة المباهلة بهلاك الكاذب، وأطلق الحديث عن الأبناء والنساء والأنفس ممن يختص به لإطلاق المبدأ في هذه العناوين، فكأنه يريد أن يقول لهم إنه على استعداد لدعوة هؤلاء بكل ما يمثّلونه من عمقٍ عاطفي في نفسه إلى المباهلة، للتدليل على صدق دعوته من دون التحديد في عنوان الدعوة، ولكنهم كانوا محدّدين في نفسه بأشخاص معينين، لأنهم هم المفضّلون لديه، القريبون إليه، ورسول الله "ص" لا يفضل إلا من يفضله الله، ولا يقرب إلا من قرّبه الله، ولا يحب إلاّ من أحبّه الله سبحانه، ومن هنا كانت الآية الشريفة دليلاً بيّناً على عظمة أهل البيت ـ بمن فيهم سيدتنا فاطمة "ع" ـ ومنزلتهم الرفيعة عند الله وعند رسوله "ص".

الآية الثالثة:آية التطهير :
وهي قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) الأحزاب:33.
حيث نجد في هذه الاية دلالة على طهارة أهل البيت وعصمتهم "ع" ـ بمن فيهم سيدتنا فاطمة ـ روي عن أم سلمة قالت: كان النبي عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً.
أن كلمة(أهل البيت) تحوّلت إلى مصطلح اختصوا به سلام الله عليهم وعلى لسان النبي "ص" ولسان المسلمين من بعده، حتى أصبحت تنصرف إليهم بشكل سريع من دون أي التباس، حتى أنها لا تشمل بقية أقربائه مع شمول الكلمة لهم بحسب العرف العام. وقد جاء في صحيح مسلم بإسناده عن يزيد بن حيّان عن زيد بن أرقم قال: « قال رسول الله، ألا إني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة، فقلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده». وهذه الآية تدل بوضوح على عصمة أهل البيت "ص"، فتكون دالة على تعلق إرادة الله بإزالة كل الجذور العميقة التي تقود إلى الانحراف أو تدفع إلى الخطأ. وبعبارة أوضح، إن الله أودع في أهل البيت "ع" من عناصر العلم والمعرفة وخصائص القدس والطهارة ما يذهب به الرجس عنهم ويحقّق الطهارة فيهم، وسيأتي مزيد حديث حول هذا المعنى وحول عدم منافاة الآية مع اختيارية الإرادة عندهم عند الحديث عن عصمة الزهراء "ع".

الزهراء "ع" في كلمات الرسول "ص"

وأما رسول الله "ص"، فقد تحدث عن الزهراء "ع" وفضلها كثيراً، ونعتها بما لم ينعت به واحدة من النساء، حتى أنه وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي :
ما تمنى غيرها نسلاً ومن
يلد الزهراء يزهد في سواها
ورسول الله عندما يقيّم فهو لا يقيّم على أساس عاطفة أو هوى، حاشاه (وما ينطق عن الهوى) النجم:3 وإنما يتكلم بلسان الوحي والتنزيل( إن هو إلاّ وحي يوحى) النجم:4.
وفي ما يلي نستعرض بعض أحاديثه حول ابنته فاطمة :







فاطمة سيدة نساء العالمين:
من العناوين الكبيرة والمهمة التي امتازت بها الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء "ع"، ما جاء في الحديث المشهور عن النبي الكريم "ص" بشأنها أنها: «سيدة نساء أهل الجنة»، وفي حديث آخر «إنها سيدة نساء العالمين»، وفي رواية ثالثة: «إنها سيدة نساء المؤمنين»، وفي نص رابع: «سيدة نساء هذه الأمة» وهذه الأحاديث رواها السنة والشيعة. فقد ورد في ( صحيح البخاري) عن عائشة قالت:«أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله "ص"، فقال رسول الله "ص": مرحباً بابنتي، فأجلسها عن يمينه وأسرّ إليها حديثاً فبكت، فقلت لها: لِمَ تبكين؟ ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن. فسألتها عن ذلك: فقالت: ما كنت أفشي سر رسول الله "ص". حتى قبض النبي "ص"، فسألتها عما قال، فقالت : أسرّ إليّ أن جبرئيل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وأنكِ أول أهل بيتي لحاقاً بي، فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك». وهنا لا بد أن نتوقف لنتساءل:هل السيادة مجرد لقب تكريم أعطاها إياه رسول الله "ص"؟ حاشاه، فرسول الله "ص" لا يطلق الألقاب جزافاً، لأنه ينطلق عندما يزن الناس، وإن كانوا أقرباءه، من موقع التقييم الدقيق للكفاءة الواقعية في ما يمدح به هذا أو ذاك، ولو لم ينطلق من الموقع العميق الموجود في الشخصية التي يجعلها في مستوى الكلمة التي يطلقها عليها، لكانت الكلمة صادرة منه عن هوى، والله تعالى يقول في حقه:(وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى) النجم:3_4. وعليه، فإن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، معناه أنها استجمعت في عقلها وقلبها وفضائلها كل عقل وقلب وفضائل نساء أهل الجنة، بل وتفوّقت عليهنّ في ذلك. وأن تكون فاطمة سيدة نساء العالمين والمؤمنين، فهذا يعني أن كل فضائل الإيمان وخصاله وكل مزايا المؤمنات قد تجمّعت وتجسّدت فيها، وإلا فكيف تكون سيدةً لقومٍ وهي لا تفضلهم بشيء ولا تملك الميزة التي بها تكون السيادة؟!
ولهذا فإن رسول الله "ص"، الذي ينطق إسلاماً ويتحرّك ويجسّد الإسلام، وينبض قلبه بالإسلام، وليس لديه حتى العواطف الذاتية التي تفقد فـي عمقهـا معنى الإسـلام، لأنه كان الـنور كله، والإسلام كله، والقرآن الناطق، عندما يعطي فاطمة هذه الأوصاف، فلا بد أن يكون قد اطّلع على ما تحمله "ع" من علمٍ يتفوّق على علم نساء العالمين كلهم، وما تحمله من طهارة تتفوّق بها على نساء العالمين، ومن روحانية وقيم إنسانية تتفوق بها على سائر النساء.

فاطمة بضعة مني :
وفي كلمة أخرى له "ص" تعبّر عن المنزلة الرفيعة لسيدة النساء يقول فيها : ـ كما في صحيح البخاري ـ : «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني»، وفي صحيح مسلم: «إنما ابنتي فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها»، وفي رواية أخرى لمسلم: «إنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها»، وفي نص رابع أورده في البحار : «فاطمة شجنة مني، يؤذيني ما آذاها ويسرّني ما سرّها».
وهذه الرواية ـ على اختلاف تعبيراتها ـ الصادرة عن الصادق الأمين، الذي ـ وكما أسلفنا ـ يتحدث وحياً وإسلاماً لا عاطفةً، لأن عاطفته كبشر، مجالها أن يحتضن ابنته كما يحتضن أي بشر ابنه وابنته، ولكن عندما يعطي القيمة فهو يعطيها من خلال الوحي والرسالة، ولا يمكن أن يتقوّل على الله أبداً: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين) الحاقّة:44_46]. هذه الرواية تعبّر عن التمازج الروحي والاندماج العميق بينها وبينه، لأنّ قوله "ص": «بضعة مني» لا يريد به الإشارة إلى الجانب المادي فإنه لا يخفى على أحد، وإنما يريد به الإشارة إلى ما هو أعمق من ذلك، فإن معنى أن يكون إنسانٌ ما قطعة من رسول الله "ص"، أنه يرتبط برسول الله ارتباطاً رسالياً عضوياً، كما لو كان جزءاً حياً من جسده. ومعنى ذلك أن عقله يختزن بعضاً من عقل رسول الله "ص"، وروحه تختزن بعضاً من روح رسول الله "ص"، وأن حياته تختزن الطهر والنقاء والروحانية والصدق والأمانة كما اختزنها رسول الله "ص". ثم عندما يضيف "ص": «من أغضبها فقد أغضبني ومن آذاها فقد آذاني»، فإن أصحاب الرسالات لا ينفعلون عاطفياً عندما يؤذي الناس أولادهم، بل أي أب صالح لو أغضب الناس ابنه بالحق لأنه أساء إليهم، فإنه لا يغضب ولا ينفعل لذلك. إذاً فما معنى «من أغضبها فقد أغضبني...»؟ إن معناه أن فاطمة هي المرأة التي لا يمكن أن تسيء إلى أحد في قول أو فعل حتى يكون للناس حق في إيذائها وإغضابها، بل فاطمة لو غضبت فلا يملك أحد أن يغضبها، لأنها الإنسانة التي لا تغضب إلاّ لله، والإنسانة التي لا تسيء إلى أحد ولا تذنب أو تنحرف، فمن أغضبها فإنه يغضب الحق ويغضب الخطّ المستقيم، وهي الإنسانة التي لا تتأذى إلا عندما يُعصى الله أو ينحرف الناس عن طريق الله، ولذلك يتأذى رسول الله بأذاها، وإلاّ كيف يمكن أن يتأذى رسول الله "ص" لأذاها إن لم يكن أذاها مبرراً ومنسجماً مع الحق والرسالة؟ وهكذا قوله "ص" كما جاء في بعض الروايات: «يرضيني ما يرضيها «، فإن معناه أنها لا ترضى إلا ما يرضاه الله ورسوله، ولو لم يكن النبي "ص" مطّلعاً على عمق الزهراء "ع" وعلى كونها صورة عن روحه وفكره وخطه ورسالته، وعلى أن الرسالة قد انطبعت في شخصيتها وذابت شخصيتها في الرسالة، بحيث إنه لا يوجد فاصل بينها وبين الرسول وبينها وبين الرسالة، لما صحّ أن يربط رضاه برضاها وغضبه بغضبها. وهذا يدلل بوضوح على أن الزهراء "ع" معصومة مطهرة وبلغت الغاية في الكمال.

فاطمة "ع". يرضى الله لرضاها:
وفي حديث آخر روي عن رسول الله "ص" قال: « إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها». وهذا النص الشريف أقوى من سابقه في الدلالة على عظمة وعصمة هذه الإنسانة ومقامها الرفيع عند الله سبحانه، بحيث إنه تعالى ربط رضاه برضاها وغضبه بغضبها، فما معنى ذلك؟ ما معنى أن يغضب الله لغضب إنسان ويرضى لرضاه؟ معنى ذلك أن هذا الإنسان قد عاش مواقع رضا الله كلها وابتعد عن مواقع سخطه بحيث يكون خطه موازياً لخط الله لا يحيد عنه ابداً في كل مرحلة من مراحل حياته، وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين "ع" بقوله: «رضا الله رضانا أهل البيت».

فاطمة أمّ أبيها
ومن كلماته الخالدة والقيّمة في حق فاطمة "ع" قوله الشهير: «فاطمة أمّ أبيها». ولكن حتى نفهم المعنى الدقيق لهذه الكلمة، لا بد أن ندرس حياة رسول الله "ص" وما لاقاه من عنت ومشقة منذ بداية حياته؛ فلقد عانى الكثير، عانى من اضطهاد المشركين له حتى قال: «ما أوذي نبيّ بمثل ما أوذيت»، وحزن لفقد زوجته أم المؤمنين خديجة "ع" والتي كانت ملجأ وكهفاً له يأوي إليه بعد الجهد والتعب الذي يلاقيه من قومه، وتأثر لافتقاد .

عمه أبي طالب الذي كان يرعاه ويدافع عنه ويقف إلى جانبه، وعانى قبل ذلك اليتم الذي عاش في زوايا إحساسه الإنساني، لأنه عاش يتم الأب وهو جنين، ويتم الأم وهو طفل رضيع ملأت بيته بعبق الأمومة وروحها وطهرها وعاطفتها. ولنتصوّر كم كانت عاطفة فاطمة وكم كان قلبها كبيراً حتى استطاعت أن تملأ روح هذا الإنسان العظيم وتشعره بالاطمئنان وتحوطه بالرعاية، لقد كانت أمومتها له "ص" واحتضانها له شيئاً فوق العادة، كانت بذلك تحمل مسؤولية كبرى، لأن الأمومة ـ بشكل عام ـ مسؤولية كبرى تملأ فكر الأم وتشغل مشاعرها وأحاسيسها وتتعب جسدها وفكرها، باعتبار أن المرأة عندما تكون أماً فإن الولد سيكون محور حياتها، ، فكيف إذا كانت الأمومة لشخصية مثل رسول الله"ص"، فلا بد أن يبذل من يقوم بهذا الدور من الجهد والطاقة الشعورية ومن الروح العميقة الممتدة ومن الأفق الواسع ومن خفقات القلب ونبضات الاحساس، الشيء الكثير الكثير ليقوم بهذا الدور. ولذلك فإننا نعتبر أنّ هذه الكلمة توحي بعظمة الزهراء "ع"، وحتى وإن لم يمدنا التاريخ بكثير من تفاصيل العلاقة بين فاطمة وأبيها ومن حياتها، فإن هذه الكلمة وحدها كافية للتدليل على منزلتها ومقامها عند رسول الله "ص" الذي {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) النجم:3_4. فهو لا يتكلم عن هوى أو عاطفة غير مسؤولة، وإنما يتكلم بالحق والحقيقة والكلام الجادّ. إن هذه الكلمة تختصر كل حياة الزهراء "ع" ودورها في تخفيف الآلام التي عاشها رسول الله "ص" والأعباء والأثقال التي واجهها من المشركين والمنافقين.



خصالها وفضائلها "ع"

الصدّيقة الشهيدة
عندما يختار الله أحداً للاصطفاء ولمقام الشهادة كما اختار سيدتنا الزهراء "ع" لذلك، فإن هذا الاصطفاء لا ينطلق من فراغ، بل هو ينطلق من الخصائص التي تحبّب هؤلاء إلى الله وتجعلهم في مستوى حمل الرسالة وتجسيد قيمها في الحياة.

فاطمة.. المعصومة
عندما نقدّس الصدّيقة الزهراء "ع"، فإننا لا نقدس انتسابها للرسول "ص" فحسب، وإنما نقدّس فيها صفاتها المثلى وخصالها الحميدة التي تجعلها قدوة نقتدي بها ونبراساً نستضيء بنوره، ومثلاً أعلى نسير على هديه ونستلهم منه الدروس والعبر، فقد انطلقت الزهراء البتول بعلمها وعبادتها وإخلاصها لله ورعايتها لرسول الله ولأمير المؤمنين حتى ارتفعت إلى مقام العصمة وسمت إلى مرتبة القداسة، لا تدنِّسها الآثام، ولا تقترب منها الذنوب، وتركت لنا المثل الأعلى عن المرأة التي عاشت حياتها من أجل الله وأغمضت عينيها مفارقةً الحياة وهي تلهج بذكر الله. إننا نؤمن كل الايمان أن الزهراء "ع" معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان بديل آية التطهير وحديث البضعة (كما تقدم)، فلم ترتكب في حياتها معصية مهما كانت صغيرة.

فاطمة.. العالمة
ترعرعت الصدّيقة الطاهرة في مهبط الوحي وبيت النبوّة، مما هيّأ لها أن تنهل من تعاليم الإسلام ومفاهيمه وأحكامه ، لتكون أول تلميذة من النساء من مدرسة رسول الله "ص"، كما كان علي أول تلميذ من الرجال في هذه المدرسة. كانت تجلس مع علي "ع" عند رسول الله والوحي ينزل عليه وتستمع بلهفة وإمعان إلى دروس الرسول "ص" وهو يشرح معاني الوحي لها ولعليّ "ع" ويعلّمهما أحكام الله وتشريعاته، ومن هنا نستطيع القول إن كلمة النبي "ص":»لو لم يكن عليّ لما كان لفاطمة كفؤ»، تشير، فيما تشير إليه، إلى المستوى العقلي الذي تملكه فاطمة "ع" ولا يملكه إلا علي "ع"، ما جعلها الكفؤ الوحيد له وجعله الكفؤ الوحيد لها. ومن الشواهد التي تدلّل على اهتمام النبي "ص" بتعليم فاطمة، ما جاء في الحديث الذي رواه الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق "ع" قال: لما جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله "ص" بعض أمرها، أعطاها كربة ـ أصل السعفة وكان مكتوب عليها ـ وقال تعلمي ما فيها.. فإذا فيها: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه،ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت». لقد أراد لها النبي "ص" أن يخفف آلامها من خلال الانشغال بالقيم الإسلامية وتبليغها للناس، ومعنى ذلك في ما نستوحيه، أن على الإنسان أن يكون واعياً لرسالته أكثر من وعيه لآلامه، لينتصر برسالته على آلامه، فإن من يعش الاهتمام بالقضايا الكبرى ينس آلامه ويستصغرها.

أهمية العِلم عند الزهراء "ع":
نقل بعض المحدثين والعلماء رواية عن الزهراء "ع" تكشف عن أهمية العلم عندها، والرواية هي أنه جاء رجل إلى فاطمة "ع" فقال: يا فاطمة بنت رسول الله، عندك شيء تطرفينيه (تعطيني إياه)؟ فقالت : يا جارية ـ وكان عندها خادمة اسمها فضة خدمتها في أواخر عمرها الشريف ـ هاتي تلك الحريرة (أو الجريدة التي كان عليها ما تسمعه من أبيها رسول الله "ص"، فطلبتها فلم تجدها، فقالت "ع": ويلك اطلبيها فإنها تعدل عندي حسناً وحسيناً، هذا تراث رسول الله "ص"، فطلبتها فإذا هي قد قممتها في قمامتها ـ وضعتها في النفايات ـ فإذا فيها: قال النبي "ص": ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه ـ أذاه ـ ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت، إن الله تعالى خير ويحب الخيّر الحليم المتعفف، ويبغض الفاحش الظنّين البذّاء السئّال الملحف ـ الذي يلحف في سؤاله ـ إن الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، إن الفحش من البذاء والبذاء في النار». إننا ندرك من هذه الرواية ونتلمس منها بوضوح كم كانت الزهراء "ع" تعظّم العلم وتحترمه، ندرك ذلك جيداً إذا عرفنا كم كانت محبتها لولديها الحسن والحسين "ع"، ولا بد أن يكون واضحاً أن الأهمية لا تكمن في حروف الكلمة، بل في روحيتها التي تحولها إلى فكر يغني الإنسان وحركة تصحح مساره وتجربته.

حلقة درسها:
ولم تكتف الزهراء "ع" بكتابة العلم وجمعه في مصحف وأوراق، بل كانت تعمل على بثّه في المجتمع الإسلامي، كما أنها لم تكن تنتظر أن يقصدها طلاب العلم لتجيب على أسئلتهم، بل كانت تبادر إلى نشره في المجتمع، إذ ينقل كتّاب سيرتها أنها كانت تعطي دروساً لنساء المهاجرين والأنصار اللاتي كنّ يجتمعن عندها في حلقة واحدة بما يشبه حلقات الدرس الحوزوي، وما خطبتها في المسجد التي بيّنت فيها أسرار التشريع والقوانين الإلهية وغير ذلك من المطالب، إلاّ وثيقة حيّة وخير شاهد على رسالة الزهراء الثقافية ومسؤوليتها الفكرية والتربوية.

فاطمة أوّل كاتبة في الإسلام:
وقد وصل اهتمامها بالعلم وبحديث رسول الله "ص" وبأحكام الإسلام وتعاليمه إلى درجة أنها كانت تسجّل كل ما تسمعه من رسول الله "ص" مباشرة، أو ما يحدثها به علي "ع" أو ابنها الإمام الحسن "ع" عن رسول الله"ص"، كما يفهم ذلك من حديث الحريرة المتقدم، ولهذا نستطيع القول إن الزهراء "ع" هي أول كاتبة في الإسلام من الرجال والنساء، وأول من كتب حديث رسول الله "ص" بمسمع ومرأى منه.

فاطمة الرسالية

1 ـ لم تتحدث عن نفسها:
عاشت السيدة فاطمة "ع" آفاقاً واسعة ورحبة في العلاقة مع الله والارتباط الروحي به والانفتاح الكامل عليه وعلى عباده والتحسس بآلامهم والسعي في سبيل إرشادهم وهدايتهم بما لم يحدثنا التاريخ عنه بالشكل التام، ولم تتحدث هي عن شيء من هذه الآفاق والمآثر، لأن ما يعيشه الإنسان الرسالي من روحانية وصفاء في علاقته مع الله لا يستطيع البوح به لأحدٍ من الناس، لا سيما أن بعض المعاني تُحسّ ولا تعرف، تُدرك ولا تحدد، فإننا عندما نشمّ الوردة بكل ما تحمله من عطر وهي في عنفوانها، فإننا نتحسس معنى العطر في نظرتنا للجمال، ولكننا لا نستطيع أن نعبّر عنه كما أحسسناه وتذوّقناه، وهكذا هي أحاسيس الرساليين بكل ما تحمله من صفاء وروحانية وانفتاح على الله ومحبة له، فإنها تدرك بالوجدان ولكن لا يمكن التعبير عنها بالقلم والبنان، ولهذا فإن ما بلغنا عن العظماء من مزايا وفضائل قد لا يمثّل كل تطلعاتهم وآفاقهم وواقعهم، لأنهم لا يملكون الكلمات التي تعبر عن كل ما يجيش في نفوسهم، أو لأنهم لا يريدون البوح بهذه المشاعر لتبقى لله وفي سبيله.
2 ـ لم تعش لنفسها:
إن خلاصة حياة هذه الإنسانة العظيمة انّها لم تعش لنفسها طرفة عين أبداً، وإنما عاشت لأجل الرسالة، لأجْل أبيها رسول الله "ص"، ولأجل زوجها أميرالمؤمنين، ولأجل ولديها الإمامين الحسنين "ع" اللذين قال فيهما رسول الله "ص": «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، ولم تعش لهم قرابة فقط، ولكنها عاشت لهم رسالة، فقد أفنت حياتها في خدمتهم، لأنها رأت في ذلك خدمة للإسلام، الذي كان أكبر همها وغاية جهدها ومبلغ علمها.
3 ـ همّ الرسالة أولاً:
رغم ظلامة الزهراء "ع" الذاتية وما أسيء به إلى شخصها ما أوجب إيذاءها إيذاءً بالغاً، ورغم معاناتها الكثيرة وآلامها البليغة، فإنّا نلاحظ في كل ما نقل عنها من مواقف وكلمات، أن ما كان يشغل فكرها وعقلها وقلبها هو القضية الإسلامية العامة المتمثلة بحق علي في الخلافة، هذا الحق الثابت بنص حديث الغدير، وقد رأت أن مسؤوليتها الإسلامية تحتّم عليها نصرة الحق والوقوف مع علي بكل قوة. وهكذا كان، فقد تجاوزت كل آلامها ومعاناتها الشخصيّة ووقفت لتخطب في المسلمين، ولتتحدث إلى نساء المهاجرين والأنصار، ولتتكلم مع رجالهن، ومحور ذلك كله هو حق علي "ع" في الخلافة، من دون أن يكون لعلاقتها الشخصية ـ الزوجيّة والنسبيّة مع علي "ع" ـ أي دخل في كل مواقفها، وحتى مطالبتها بفدك جاءت في هذا السياق، فقد كانت فدك بوّابة للخلافة ورمزاً لها كما ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي عن بعض أساتذته، فالمطالبة بفدك مطالبة بالحق الشرعي ومواجهة لخطر الانحراف الذي بدأ بوفاة رسول الله "ص". وأما قصة ذهابها إلى النبي "ص"برفقة الإمام علي "ع" ـ والتي تقدمت الإشارة إليها ـ للمطالبة بخادم يريحها من تعب أشغال البيت، فلم تكن هي المبادرة لذلك رغم أن هذا المطلب يعتبر مشروعاً وعادياً، وإنما جاء الطلب من علي "ع" رأفة بها وشفقة عليها، وهذا يوحي أن مسألة الدنيا وحاجاتها الطبيعية لم تكن هدفاً أو أمراً ذا بال بالنسبة لها. وهكذا كانت شخصيتها تجسد الرسالة، فشجاعتها لم تكن انفعالية بل شجاعة رسالية، وحزنها ـ كما مر ـ كان حزن القضية والرسالة، وبكاؤها كان بكاءً إسلامياً، فعندما كانت تبكي رسول الله "ص"أو تحزن عليه، لم تكن تفعل ذلك حزناً على فقد محمد الأب بقدر ما كانت تبكي محمداً الرسول "ص"، هذا رغم أن أبوّته لها كانت من نوع نادر وعلاقتها به كانت علاقة حميمة ووثيقة.
وبعد اهتمامها الرسالي يأتي اهتمامها بالناس من حولها، بل إنّ اهتمامها بالناس كان جزءاً من رسالتها، وهنا تكمن قيمة الزهراء "ع"، لأن قيمتها ومنزلتها الرفيعة ليست في نسبها وإن كان شريفاً، ولا في عشيرتها أو غير ذلك مما يتفاضل به الناس ويتباهون به، بل قيمتها في القيم الإسلامية التي تجسدت فيها وحملتها ونادت بها، ومن أجلّ تلك القيم وأرفعها أن يعيش الإنسان للآخرين قبل أن يعيش لنفسه، أن يحمل هموم الآخر ويحب له ما يحبه لنفسه ويكره له ما يكره لها، وهذا ما جسّدته سيدتنا الزهراء "ع" خير تجسيد، بل إنها كانت في المستوى الأعلى من ذلك، حيث إنها لم تكن تقاسم الآخرين ما عندها من نعم أنعم بها الله عليها، بل كانت تؤثر الآخرين على نفسها رغم ما بها من خصاصة وحاجة ماسة.
كانت ورغم أنّها الأحوج للدعاء بأن يخفّف الله عنها آلامها ومعاناتها،تنهض تحت جنح الليل ـ لعبادة ربها والابتهال إليه والصلاة له في جوٍّ عابقٍ بالروحانية والطلب منه أن يقضي حوائج المؤمنين ويغفر ذنوبهم ويرفع درجتهم ويحقّق أحلامهم ويشفي مرضاهم، وتسمّيهم بأسمائهم فرداً فرداً، ويسمعها ابنها الإمام الحسن "ع" فيسألها: «أماه، لِمَ لا تدعين لنفسك؟ فتجيبه: يا بني الجار ثم الدار». أي علينا أن نفكر بالآخرين قبل أن نفكر بأنفسنا، ونتحسس آلامهم قبل أن نتحسس آلامنا، فنعمل على أن نخفف آلامهم ونحقق أحلامهم وبعد ذلك ندعو أن يعطينا الله مثل ما أعطاهم، هذا ما تريده لنا الزهراء "ع"، فلعل الله بذلك يرحمنا عندما يرانا نعيش هذه الروحية الرسالية التي كان أهل البيت "ع" يعيشونها حتى نزل القرآن ليخلد فيهم هذه الميزة التي امتازوا بها عمّن سواهم، فقال عز من قائل:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * الإنسـان:8_11.
لقد أعطت فاطمة "ع" حبها للإنسان كله، وارتفعت بهذا الحب إلى منزلة غدت معها غافلة عن آلامها لانشغالها بآلام الآخرين، وما ذلك إلا لأن الروحانية التي عاشت في قلبها فاضت على خصوصيتها وأنسَتْها ذاتها، ولأن الحب الإلهي الذي تملّك قلبها امتدّ بها إلى حب الناس كلهم، لأنه من يحب الله لا يمكن أن يبغض أخاه الإنسان :«الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله».

كيف عاشت فاطمة الزهراء طفولتها؟
عندما ندرس حياة الزهراء "ع" ، نجد أن التاريخ لا ينقل لنا الكثير من تفاصيل طفولتها وعلاقتها بأبيها محمد رسول الله "ص" من حيث المفردات الحياتية، لكننا نعرف من خلال ما وصلنا، أنها وهي في سن الطفولة، لم تعش طفولة الأطفال الذين يلهون ويلعبون ويعبثون، كانت طفولتها لا تحمل أية فرصة للعب واللهو والعبث، بل كانت طفولة تختزن طاقة نلمح آثارها في ما نقل لنا عنها من مواقف، ولم تكن طاقتها طاقة طفل يعيش براءة الطفولة وبساطتها، بل طاقة طفل يختزن في نفسه إحساسه بالدور المنوط به في تلك المرحلة من حياة الرسول "ص" ومعاناته وآلامه التي كان يواجهها، كانت طفولة تتقمص شخصية الأم وتعيش روحيتها وتقوم بدورها. فها هي، ومنذ أن فتحت عينيها على الحياة ، رأت أباها رسول الله "ص" يأتي بين وقت وآخر مثقـلاً بما يلاقيه من ضغوط وأعباء وأذى من المشركين، فتقوم باحتضان أبيها، وتخفِّف عنه آلامه وترعاه بكل عطف وحنوّ. فذات يوم رأت أباها "ص" في المسجد الحرام وقد وضع المشركون الأوساخ والأقذار على ظهره بينما كان قائماً يصلي لربه، فما كان منها إلاّ أن تقدمت لتزيل عنه الأوساخ بيديها الصغيرتين، معبّرة عن حزنها ومواساتها له "ص" بالدموع، وهذا ما جعلها تنفتح على المسؤولية وهي في طفولتها الأولى، لتقف إلى جانب أبيها لترعاه وتحنو عليه، وهو الذي فقد أمّه منذ أمدٍ طويل، وفقد زوجته الحانية، وقفت إلى جانبه وهو يتحدى بالرسالة ويواجه التحدي من خلال الرسالة، هذا يسبّه وذاك يتهمه بالجنون أو السحر وثالث يلقي عليه الحجارة والأوساخ، وعمه أبو لهب يصرخ: «جزماً سحركم محمد».. وتثقله آلام الدعوة وهو يتحملها بصبرٍ، وعندما يعود إلى البيت يرى حنان فاطمة وعاطفتها ورعايتها التي لم تكن رعاية طفل يبكي دون وعي، بل رعاية وعي ينفتح ويبكي من أجل أن يواسي ويخفف الآلام عن رسول الله "ص" ، فقد كانت تتحسس أنّ آلامه آلامها، فتختزن في طفولتها آلام الرسالة، وآلام الرسول؛ ومن يختزن في وعيه الطفولي المبكر آلام الرسول وآلام الرسالة، لا يسمح له الوقت أن يعبث أو يلهو أو يلعب، إن اللعب واللهو والعبث يتحرك في حياتنا من موقع الفراغ، فنحاول أن نملأه بالملاهي، أما الإنسان الذي يشعر بأن هناك فكراً يملأ عقله، وعاطفة تملأ قلبه، وواقعاً يملأ حياته، فلا يجد فرصة للهو والعبث واللعب. وهكذا نشأت الزهراء "ع" ، لا كما ينشأ الأطفال..نشأت رساليّة في مشاعرها وعواطفها ومواقفها وكل حركتها.
وإننا نستوحي من هذا الحنوّ وتلك العاطفة التي ملأت بها فاطمة "ع" قلب أبيها وإحساسه، أن تكون تربيتنا لأطفالنا قائمة على أساس تنمية العاطفة وتقوية الحنان لديهم، ما يعطينا كآباء وأمهات رصيداً من حنان الأبناء والبنات عندما نحتاج إلى ما يخفّف متاعبنا، وبذلك يتحول الطفل إلى أب وأم كما يتحول الأب والأم إلى أطفال مع أولادهم، عندما يلاعبونهم ويلاطفونهم، وقد أكّد ذلك النبي الكريم "ص" بقوله: «من كان له صبي فليتصاب له».

مراقبتها وملاحقتها للرسول "ص"
وأحست بمسؤوليتها تجاه أبيها وهو ينهض بعبء قيادة الدعوة الجديدة إلى النصر، فمضت تعطيه كل ما تملك من حنان الأمومة والنبوّة، وترعى حياته بروحها وقلبها ومشاعرها الرقيقة الفياضة، وبالإضافة إلى هذا الدور الصامت الذي قامت به فاطمة في رعايتها لأبيها وهو في أشد الأوقات حرجاً وأعظمها قسوة، كانت أيضاً تشعر أنّ أباها يمثّل كل شيء في حياتها ، ولذا أحسـت أن عليهـا أن تبـذل له كل شيء من حياتها ووجودها.
كانت، وهي الطفلة كما مرّ آنفاً، تتابع أباها وهو يتحرك في دعوته، تشعر بمسؤوليتها عنه كما هي مسؤولية الأم عن أولادها، وقد جاء في السيرة أنه عندما « ألقت قريش سلا الجزور على ظهر النبي وهو ساجد، فجاءت فاطمة وطرحته عنه».
وما نستوحيه من هذه القصة ـ مضافاً إلى ما استوحينا سابقاً من ان الزهراء كانت تحتضن أباها وتخفف عنه الأعباء والآلام وهي ما تزال طفلة ـ انها كانت تتحرك معه وتلاحقه عندما كان يذهب الى المسجد، وقد تكون هذه قصة صغيرة، ولكنها توحي بالاهتمام البالغ الذي كانت توليه لأبيها، بحيث كانت تتابع وضعه وكل ما يقوم به المشركون ضده. وكانت أيضاً تراقب انفعالات وجهه وخلجات نظراته وتفهم منها كل ما يريده وما لا يريده دون أن يقول لها شيئاً أو ينهاها عن شيء، فتبادر إلى امتثال ما استوحته من أوامره ونواهيه دون إبطاء أو تردد، مدفوعة إلى ذلك بعامل المحبة له كأب، والتقديس لشخصه كنبي ورسول.

انفتاحها على قلب رسول الله "ص"
وهذا ما تحدثنا به سيرتها في أحاديث متنوعة تحكي لنا كيف كانت تدرس ذهنية رسول الله من خلال دراستها لرسالته، لتتعرّف على ما يحبه وما يبغضه، ويسر قلبه او يحزنه، ومن هنا رأيناها عندما أقبل رسول الله "ص" ذات يوم من سفر ودخل بيتها وحدّق قليلاً ثم انصرف، عرفت بسرعة أن شيئاً أثقل رسول الله "ص"، وفكرت في الأمر، فرأت أن هناك كساءً في بيتها على بابها وسوارين قد لبستهما في يديها، فنزعت الستار عن بابها وخلعت السوارين من يديها وبعثت بهما مع ولديها وقالت لهما أقرئا أبي عني السلام وقولا له ما أحدثنا بعدك غير هذا، فشأنك به اصنع به ما شئت، فانفرجت أسارير الرسول وهزته هذه الروح، روح المبادرة والالتفاتة الرائعة والمواساة الروحيّة من ابنته، وهذه الاستجابة الواعية لدعوته، فما كان منه إلاّ أن قسم ذلك بين الفقراء الذين لا يملكون ثوباً ولا يجدون قوتاً، وقال "ص": «قد فعلت، فداها أبوها، فداها أبوها، فداها أبواها، ما لآل محمد وللدنيا فإنهم خلقوا للآخرة».
وفي حديث آخر أنه وجد في عنقها قلادة فأعرض عنها فقطعتها ورمت بها فقال لها: «أنت مني ائتيني يا فاطمة»، ثم جاء سائل فناولته القلادة.
إننا نستوحي من هذه القصة ومن أجواء العلاقة بين فاطمة وأبيها :
1ـ أن الزهراء "ع" كانت إنسانة تشعر بالحاجة إلى أن تتعمق في الولوج الى قلب أبيها والانسجام مع مسؤولياته في ما يخص مسؤوليتها، بأن تجسد المثل الحي لأهل بيت الرسول في نظرة الناس إليهم.
وهذا ما يجب أن تتعلمه كل بنت رسالية الفكر عندما يكون أبوها رسالي الخط والمسؤولية، وكذلك كل امرأة تتصل بإنسان يعيش بعداً رسالياً في حياته، عليها أن تتعلم عدم الاستغراق في ذاتياتها ، بل ان تتعشق في مسؤولية أبيها أو زوجها أو أخيها أو ابنها لتتكامل معه في حركة المسؤولية، حتى لا تثقل مسؤوليته، لأننا قد نجد الكثير من العظماء في الماضي والحاضر يثقلهم الناس الذين يحيطون بهم عندما يفكرون هم رسالياً ويفكر من حولهم ذاتياً، فتشعر البنت أنها بنت الزعيم فتتعاظم على الناس، أو تشعر الزوجة أنها زوجة فلان العظيم فتتكبر على الآخرين، وتشعر الأم أنها أم الإنسان الذي يملك موقعاً متقدماً فتتعالى على غيرها من النساء.
2 ـ كما ونستوحي أيضاً أن الزهراء "ع" في وعيها وموقعها الرسالي المتقـدم، كانـت الإنسانة التي تتمرد على حاجاتها الشخصيّة مهما كانت بسيطة في سبيل طموحاتها الرسالية، وكانت الإنسانة التي تدخل في موازنة بين المبدأ والذات ليتـغلّب المبدأ عنـدها علـى حاجة الذات، وهذا ما ينبغي أن نتعلمه، لأن الكثيرين منا، رجالاً أو نساءً، يسقطون عندما تكون المسألة هي الخيار بين متطلبات المبدأ ومتطلبات الذات، فيفضلون الثاني على الأول، بل ربما يجعلون المبدأ في خدمة الذات، فيثقلون المبدأ بحاجاتهم الشخصية، ويسخّرون الناس الذين ارتبطوا بهم ارتباطاً مبدئياً لحاجاتهم الخاصة.

شخصيتها من شخصية رسول الله "ص"
إن ما تقدم من شواهد تاريخية عن علاقة الزهراء بأبيها وشبهها به ومحبته لها.. يعطينا الدليل تلو الدليل على أن شخصية الزهراء "ع" متطبّعة بطابع شخصية النبي "ص"، فليس بينها وبين أن ترفض بعض مظاهر الدنيا البسيطة التي يحتاجها كل إنسان، إلا إشارة النبي ورغبته لها في الترفع والرقي إلى أعلى المستويات الروحيّة والابتعاد عن كل ما يربط أو يشد نحو الدنيا.
وهكذا وجدناها منسجمة كل الانسجام روحياً وعاطفياً مع الخط الإسلامي الأصيل الذي انطلق من خلال تعاليم القرآن وسنّة النبي "ص" ، ولذا لم تستسلم إلى صلتها الوثيقة بالنبي أو تسكن لهذا الشرف العظيم، لأنها أرادت أن تكون ابنة محمد روحاً وأخلاقاً وتقوى وعبادة وصلة بالله سبحانه وانسجاماً مع تعاليمه، قبل أن تكون ابنته جسداً وقرابة.
أحبّت أن يرى أبوها في بيتها المتواضع زهد الرسالة وروحانية الإيمان وبساطة العيش وقناعة النفس وصفاء الروح، لتعطي مثلاً حياً للبيت المسلم بأن يعيش الأجواء الإسلامية الخالصة من أجل أن تنمو الأجيال الإسلاميّة وتتنفس في جو إسلامي خالص.
وباختصار فقد شاركته في فضائله إلا في النبوّة التي لا يقترب منها أحد مهما كان قريباً من رسول الله "ص"، لتبقى هذه المنزلة الإلهية بما تتضمنه من معاني الوحي والرسالة خاصة به، ويبقى للآخرين القريبين منه مشاركته في كل صفات الكمال الأخرى عندما قال لعليّ"ع": «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

دمعة وابتسامة
كانت الزهراء "ع" ذات فرادة وتميز في كل تصرفاتها وأفعالها، حتى في حزنها وبكائها على أحبائها، لاسيما فراقها لرسول الله "ص". ينقل المؤرخون أنّها دخلت عليه وهو في حال الاحتضار واحتضنته، فهمس في أذنها همسة أبكتها، ثم همس همسة أخرى أضحكتها، فقيل لها ما أسرع الضحك إلى البكاء؟ فقالت ما كنت لأفشي سر رسول الله في حياته، ولما سئلت عن ذلك بعد وفاته قالت: «إنه همس في أذني أولاً أنه سيلاقي وجه ربه وأنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم همس في أذني ثانية أنّي أول الناس لحوقاً به من أهل بيته فضحكت».
تصوروا شابة في مقتبل العمر وريعان الشباب، زوجةً وأماً، والحياة تقبل عليها وتفتح لها أبوابها على أجنحة الأمل، عندما يحدّثها أبوها أنها أول بيته لحوقاً به تبتسم وتكفكف دموعها !!
هل تجدون فتاةً، ومهما كان حبها لأبيها، تفرح إذا أخبرها بأنها ستموت بعده؟ وأنها أوّل أهل بيته لحوقاً به؟
الزهراء "ع" فرحت بذلك بقدر بكائها عليه، لماذا؟ لأنها تشعر أن الفراق لن يدوم طويلاً، فعمّا قليل ستلاقي أباها في جنة عدن عند مليك مقتدر، وتعيش معه في الجنان كما عاشت معه في الدنيا.
أية علاقة أعمق من هذه العلاقة، وأي اندماج أقوى من هذا الاندماج؟ من هنا نعرف عمق حزنها على أبيها وانه يختلف عن حزن أية ابنة لفقد أبيها، فهو في الوقت الذي كان حزن المسلمة الرسالية على فقد رسولها، كان حزن البنت على فقد أبيها الذي امتزجت روحها بروحه وحياتها بحياته وعقلها بعقله.
ولهذا يقول الإمام الصادق "ع" في ما رواه الكليني بسنده الصحيح عنه: «عاشت بعد رسول الله "ص"خمسة وسبعين يوماً لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل أسبوع مرتين، الاثنين والخميس، فتقول ههنا كان رسول الله، وههنا كان المشركون».
وفي رواية أخرى عن الصادق "ع" أنها كانت تصلي هناك وتدعو حتى ماتت. وهذا المقدار من الحزن والبكاء يليق بمكانة الزهراء "ع"، ولا غضاضة فيه، لأنه حزن القضية الذي لا يلغي قيمة الصبر.

الحزن الرسالي
ومحصل ما نريد قوله إن الزهراء "ع" لم تعرف الفرح في الفترة القصيرة التي قضتها بعد وفاة رسول الله "ص"، لكن حزنها كان حزناً إسلامياً.. لم يكن جزعاً ولا ابتعاداً عن خط التوازن. والرواية التي يمكن الوثوق بها في هذا المقام هي التي تقول إنها كانت تخرج في الأسبوع مرة أو مرتين إلى قبر النبي "ص" وتأخذ معها ولديها الحسن والحسين "ع" وتبكيه هناك وتتذكر كيف كان يخطب هنا، وكيف كان يصلي هناك، وكيف كان يعظ الناس هنالك.
وأرادت بذلك أن تعيد للأمة الغارقة في متاهات الدنيا رسول الله "ص" في معناه الرسالي، ولذا لم تتحدث عنه "ص" ـ في ما نقل في الروايات الموثوقة ـ حديثاً عاطفياً شخصياً، لأنها كانت للرسالة مجسدة.

الصدّيقة..
صلة الوصل بين النبوّة والإمامة
امتازت الزهراء "ع" بأنها المرأة الوحيدة التي ربطت بين النبوّة والإمامة وكانت صلة الوصل بينهما، فهي زوجة أول إمام وأم الأئمة الباقين من نسلها ونسل زوجها أمير المؤمنين علي "ع"، وقد اختصها الله بهذه الميزة والفضيلة لأنها كانت المرأة الأكمل والنموذج الأرفع طهراً وقدساً وعبادةً وزهداً وخلقاً. وفيما يلي نسلِّط الضوء على حياتها مع الإمام أمير المؤمنين ودورها في الدفاع عن حقه، ومن ثمّ نتحدث عن دورها في إعداد ابنيها الإمامين الحسنين "ع"، وكذلك ابنتها العقيلة زينب "ع"، لنستلهم من ذلك الدروس والعبر، فتكون موالاتنا للزهراء "ع"في أفعالنا قبل أقوالنا، ومحبتنا لها في مواقفنا قبل شعاراتنا.

قصة زواجها بعلي "ع"
تكلم الكثيرون من الصحابة مع النبي "ص" في شأن الزواج من ابنته فاطمة الزهراء "ع"، لكنه كان يصدّهم بلطف قائلاً «إنّي أنتظر أمر ربي» ، لأن في فاطمة خصوصية لا توجد في بناته الأخريات ، ولأن في فاطمة "ع" سراً لا يعلمه إلاّ الله سبحانه، كما كان في عليّ سر لا يعلمه إلا الله.
وقيل لعلي: لِمَ لا تخطب فاطمة، وكان يستحيي من ذلك، ولكنه أخيراً جاء إلى رسول الله "ص" وكلمه بشأن الزواج من فاطمة، وهنا انشرحت أسارير النبي "ص"، فكأنما كان ينتظر ذلك، بل يعدّ له، فقال لعلي "ع" :وما تملك من مال؟
وهو يعرف ما عنده وما يملكه، لأنه هو الذي رباه، وكان علي "ع" معه في حلّه وترحاله، في ليله ونهاره، في سلمه وحربه، فهو من يعرف ميزانيته المالية كما يعرف فضائله العلمية وخصاله الروحية، ومع ذلك سأله ـ وكم من سائل عن أمره وهو عالم ـ «ما معك؟ قال: معي درعي وسيفي وهذه الثياب التي ألبسها، قال "ص" : أما سيفك فلا تستغني عنه لأنه السيف الذي تذب به عن الإسلام وتجلو به الكرب عن وجه رسول الله "ص"، ولكن أعطني درعك» وبيع الدرع بـ500 درهم، وكان ذلك مهر الزهراء التي رضيت بعلي زوجاً وعاشت معه حياة هنيّة لكنها مليئة بالجهد والتعب والمشقة، وعانت في حياتها ما لم تعانه امرأة سواها.

لا كفؤ لفاطمة غير علي
وأهم ما يلفتنا في هذا الزواج هو ما جاء في الحديث المروي في كشف الغمّة عـن الإمام جعفر بن محمد الصادق "ع" ـ وفي غيره روي عن النبي "ص" ـ قال "ع": «لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين "ع":لفاطمة، ما كان لها كفؤ على وجه الأرض».
فما هي هذه الكفاءة التي يقصدها الحديث الشريف؟
بالتأكيد ليست هي كفاءة النسب، لأنّ هناك أكثر من ابن عم للرسول "ص"، وإنما هي كفاءة الروح وكفاءة العقل والفكر والإيمان، فقد كانت فاطمة من خلال إيمانها وعقلها وفكرها وروحها وطهرها وجهادها وزهدها، كفؤاً لعلي "ع"، عليّ الذي كان في المستوى الأعلى من كل هذه الصفات والمعاني والقيم والآفاق التي تحلّّق مع الله سبحانه. لقد أمر الله رسوله "ص" بأن يزوّج الكفؤ بالكفؤ والطهر بالطهر، لأن هناك أكثر من نقطة يلتقيان عليها، كيف وقد تربّيا على يد رسول الله، ونهلا من معينه علماً وأخلاقاً وروحاً، وعاشا معه بما لم يعشه أي صحابي أو صحابية من أصحابه، فقد كانا معه في الليل والنهار، وكان "ص" ينطلق ليربيهما ويصنعهما على صورته استجابةً لنداء الله سبحانه (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء:214، وحتى عندما انكفأت عنه عشيرته وكل الناس، كان أقرب الناس إليه روحاً وإيماناً فاطمة وعلي "ع". ومن هنا لاحظنا ـ من خلال التاريخ الواصل إلينا ـ أن ما عاشه علي من روح ومن انفتاح على الله ومن معرفة بالله، كانت تعيشه فاطمة "ع". ولو أننا درسنا عبادة علي وعبادة فاطمة لوجدنا أنهما يعيشان في المستوى نفسه من القرب لله والانفتاح عليه، والمعرفة بكل أسرار قدسه وصفاته وأسمائه. وهنا يكمن سر قوله "ص": «لولا علي لما كان لفاطمة كفؤ».وبالالتفات إلى ذلك نفهم سرّ تمنّع رسول الله من تزويجها من أكابر الصحابة. وقد روى (الصدوق) في «عيون أخبار الرضا "ع"» بسنده عن أبي الحسن الرضا "ع" عن أبيه موسى الكاظم "ع" عن آبائه عن علي "ع" ـ وهذه هي سلسلة السند التي قال عنها الإمام أحمد بن حنبل «إنها لو قرئت على مجنون لأفاق»، لأنها من إمام إلى إمام إلى إمام الى علي "ع" الى رسول الله "ص"ـ أنه قال: «قال لي رسول الله "ص": يا علي، لقد عاتبني رجال من قريش في أمر فاطمة وقالوا خطبناها إليك فمنعتنا وزوّجتها علياً، فقلت لهم والله ما أنا منعتكم وزوّجته، بل الله منعكم وزوّجه، فهبط عليّ جبرئيل فقال يا محمد، إن الله جلّ جلاله يقول لو لم أخلق علياً لما كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه».

رعايتها لزوجها
يحدثنا تاريخ الزهراء "ع" أنها عاشت مع زوجها كأفضل ما تكون الزوجة محبةًَ ووفاءً وطاعةً ورعايةً، ولذا يذكر التاريخ أنّها وفي أيامها الأخيرة التي أوصت فيها علياً بوصاياها، قالت "ع" له: «..ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عرفتك» فقال لها: «أنت أبر وأتقى وأعرف بالله من أن أوبّخك في شيء من ذلك».
فقد كانت ترعى زوجها وهو مثقل بأعباء الجهاد ومسؤولياته التي جعلته يخرج من حرب إلى حرب أخرى من حروب الإسلام، ولم تتأفف من ذلك مع كل ما يمكن أن يفرضه ذلك من ضريبة قاسية على نساء المجاهدين، لا سيما أمثال أمير المؤمنين "ع"، الذي كان ليث الحروب وأسد الله ورسوله، ينتقل من معركة إلى أخرى ومن غزوة إلى غزوة، وكانت مثقلة بتربية الأولاد وهموم البيت، ولكن ذلك كله لم يمنعها من أن تخلص لدورها في البيت كزوجة، وأن ترعى زوجها وأولادها كما ترعى أباها كأفضل ما تكون الرعاية، وتهتم بهم أفضل الاهتمام.
الإخلاص والوفاء للإمام علي "ع"
وهكذا عاشت الزهراء حياتها وهي تخلص لزوجها في كل مسؤولياتها الزوحية ، عاشت مع زوجها كأية زوجة مسلمة تعيش مع زوجها، فلم تميز نفسها من خلال أنها ابنة رسول الله "ص" ، بل كانت مسلمة كأفضل ما تكون المسلمات في مسؤولياتها الزوجية، تطحن وتعجن وتخبز وتربي أولادها، وهم يتتابعون. وهكذا أيضاً كانت الوفيّة كأوفى ما تكون الزوجات، وهذا ما شهد لها به علي "ع".

أعطت الراحة والروح والسعادة لبيت زوجها
وعاشت مع علي "ع" الذي عاش معها روحه وعاش معها جهاده، ولم يكن البيت تقليدياً في روحيته وحيويته، وإن كان تقليدياً ـ في أقل مراتب التقليد ـ في أثاثه ومساحته. لقد جعلت من بيتها حضناً ومهداً للرسالة ومنزلاً إسلامياً يفيض بالخشوع والرحمة وتتألق فيه القيم الإسلامية.. جعلته بيتاً لله، وللطهارة والحق والعدل والرحمة والمحبة، من خلال روحانيتها وعبادتها وزهدها وفكرها وعقلها واستقامتها التي منحتها لهذا البيت، فصار جوّه جواً إسلامياً متكاملاً، بحيث استطاع عليٌ أن يجد فيه الراحة والسعادة والانطلاقة والانفتاح، لأن الدعاة الكبار يحتاجون عندما يعيشون مع المرأة المسلمة كزوجة، أن يتنفسوا في بيوتهم الإسلام ليعيشوا دوماً في الأجواء الروحانية والرسالية، وقد وجد أمير المؤمنين ذلك كله في بيت فاطمة "ع" ، بحيث كان يدخل البيت فيرى الإسلام يحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فصار يتنفس الإسلام في البيت مع ابنة رسول الله "ص" كما كان يتنفس الإسلام في المسجد مع رسول الله "ص". هذا من جهة أحد ركني البيت الزوجي، نعني فاطمة "ع".
وأما من جهة علي "ع" الركن الآخر له، فكان أيضاً الزوج المسلم، كان مع الحق وكان الحق معه، ولهذا أعطى فاطمة "ع" من عقله ومن روحه واستقامته وعبادته وزهده، فصارت أيضاً تتنفس الإسلام في بيتها من خلال علي "ع" ، فتكامل البيت بهما، وكانت ابتهالاتهما لله وعبادتهما له وسجودهما بين يديه وتنهداتهما في المحبة له والخوف منه، كانت تمتزج ببعضها البعض، وتتصاعد نحو الخالق متعانقة متماسكة.

عاشا "ع" للإسلام
قال علي "ع": «ما أغضبتها مدة حياتي معها ولم تغضبني ولم تعصِ أمري مدة حياتها معي». كان الرضا يعيش معهما لأنهما عاشا رساليين، وكانت الرسالة أكبر همهما، تحدثه ويحدثها عن حركة الإسلام في حربه وسلمه، يتحدثان عن آية نزلت على رسول الله "ص" هنا وآية نزلت هناك، وما هو امتداد الآيات في الحياة وما هي حركتها في الواقع، لأن الآية عندما تنزل لا تكون مجرد حروف تمثّل كلمة، ولا مجرد كلمة تتبعها كلمات، ولكنها أفق يفتح للإنسان الكثير من أبواب الروح وآفاق الإبداع، يجري مع كل جيل ويتحرك في كل زمان، كما قال الإمام الباقر "ع" : «لو أنّ الآية نزلت في قوم ثم مات أولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت السموات والأرض»، وعن الإمام الصادق "ع": «..إن القرآن تأويله يجري كما يجري الليل والنهار وكما تجري الشمس والقمر..».

تقاسم مسؤولية البيت
كان علي وفاطمة "ع" يتحسسان مسؤولية البيت فاقتسماها، وفي أحاديثنا ان الزهراء تقاضت مع علي عند رسول الله "ص" ـ تقاضي المحبة ـ حتى يقسّم العمل بينهما، فصار الاتفاق ان الزهراء تطحن وتعجن وتخبز، وان أمير المؤمنين يكنس البيت ويستقي الماء ويحتطب.

وفي ذلك درسٌ للرجال والنساء معاً
أما درس الرجال، فأن يتعلموا من علي أن لا يتكبروا على خدمة المنزل، فعلي كان يكنس ويستقي ويحتطب، والرجل منا لا يرضى لرجولته أن يكنس ويستقي، لكن علياً وهو سيّد الرجال كان لا يرى بأساً في كنس البيت، لأن البيت بيته والزوجة زوجته، هي إنسان كما هو إنسان، والرجل مهما كان عظيماً ليس أكبر من أن يخدم أولاده وزوجته وأباه وأمّه وأخوته ومن هو مسؤول عنه.
والدرس نفسه ينبغي أن تتعلمه النساء، بأن لا يعتبرن ان العمل في البيت يمثل احتقاراً لهنّ، كما هي العقلية التي ولدت عند بعض النساء المسلمات مؤخراً، فالزهراء كانت تعمل وتطحن وتخبز، ونحن وإن قلنا مراراً إن الله لم يفرض على المرأة، ابنةً كانت أو زوجةً، أن تخدم في البيت، بيت أبيها أو زوجها، بالمعنى الشرعي للإلزام، ولكن الله أراد للإنسان عندما يعيش في أي موقع يتطلب المشاركة، أن يندفع طبيعياً بحسب طاقته، حتى يشارك في هذه الطاقة ويفجرها، والإنسان الذي يقف في موقع المسؤولية ويهمل ما أحبّه الله له وإن لم يلزمه به، هو إنسان لا يعيش الإحساس بموقعه الإنساني تجاه الإنسان الآخر، فالله عندما لم يلزم المرأة بالعمل البيتي أو تربية الأطفال والإرضاع، لم يرد للمرأة أن تكون سلبيّة أمام ذلك، وإنما أراد لها أن تكون إنسانة العطاء لتقدّم من قلبها ومن طاقتها ومن جهدها بوعيها واختيارها، أن تقدّم ما لا يجب عليها عطاءً في سبيل الله (إنما نطعمكم لوجه الله) الإنسان:9، بحيث تشتغل في بيتها وتخدم أولادها لوجه الله، كما تصوم وتصلي لوجه الله وتضحي لوجه الله.
إن بعض الناس يفكرون في حركة مسؤوليتهم في الحياة بالحسابات المادية، ونحن كمؤمنين ومؤمنات لا بد أن نفكر بالحسابات الإلهيّة إلى جانب الحسابات الدنيوية، نحن عبيد الله ونريد أن يحبنا الله، والله يحبنا إذا فعلنا ما يرضيه، سواء كان ما يرضيه مما أوجبه علينا أو ممّا استحبّه لنا، وإن مما استحبّه للمرأة هو خدمة بيتها وزوجها، حتى أنّه اعتبر ذلك جهاداً، ولذلك عندما قال النبي "ص":«جهاد المرأة حسن التبعل»، فلأنه يعرف شدة المعاناة فيما تعيشه مع زوجها وفيما تصبر به على أذى زوجها، وما تتحمله من إحساساته التي قد تثقل إحساساتها ، هذا إن لم تكن تعيش معه معاناة كبيرة، فإطلاق الجهاد على حسن التبعل لكون الجهاد يثقل المجاهدين حتى يأخذ منهم أرواحهم، وكذلك المرأة تعاني مع زوجها حتى تكاد تفقد روحها، فإذا صبرت صبر الواعي، وصبر الإنسانة التي تملك شرعاً أن تمتنع عن الخدمة، فإنها تعتبر من المجاهدات في سبيل الله، ويكون لها أجر المجاهدين.
باختصار، إن مسألة الخدمة ـ أن يخدم أحدنا الآخر في دائرة مسؤوليته ـ ليست مسألة تتصل بالكرامة لتعتبر المرأة أن العمل في البيت احتقار لشخصيتها أو يعتبر الرجل أن مشاركتها في العمل احتقار له أيضاً، وإنما هي مسألة تتصل بالإنسانية، وقيمة الإنسان في هذه الدنيا أن يخدم الإنسان ويخدمه الإنسان الآخر، وليس هناك إنسان خادم بالمطلق، وليس هناك إنسان سيّد بالمطلق، كل إنسان منّا سيّد في دائرة وخادم في دائرة أخرى.

البيت بنظر الزهراء محضن لا سجن
إنّ ما نستوحيه ممّا وصلنا من سيرة الزهراء "ع"، أنها لم تكن ترى البيت مشكلة لها أو سجناً، ولا الأمومة أو الزوجية عبئاً، ربما نلتقي الآن بنماذج نسائية في مجتمعنا ممّن يشعرن ومن خلال العنوان الفضفاض للحرية، أن البيت أو الزوجيّة أو الأمومة تمثل عبئاً ثقيلاً، لا سيّما إذا تحركت الظروف لتقسو عليهن بكثيرٍ من الأعباء والمشاكل والآلام، فيشعرن بالعبء الثقيل على أكتافهن، وبالضغط الروحي الذي يجعلهن يعشن العقدة إن لم يستطعن أن يعشن التمرد، لكن الزهراء "ع" كانت ترى أن البيت لم يختره لها أحد، وأن الزوجية ليست عنصر ضغط عليها، وأن الأمومة ليست خياراً صعباً في حياتها، فهي اختارت أن تكون زوجة ترعى زوجها ويرعاها، وهي اختارت أن ترعى شؤون البيت وأن تكون أماً تربي أولادها. وليس اختيارها حالة ذاتية مختنقة أو رهناً للعادات والتقاليد، ولكنها رأت ـ اختيارياً ـ أن تلك هي مسألة الحياة، فالزوجيّة قانون وسنّة وعمليّة تكامل وليست عملية مصادرة إنسان لإنسان، والأمومة هي سرّ امتداد الإنسانية في الحياة، وإذا كان البعض ينظر إلى البيت على أنه سجن، فإن نظرة الإسلام له أنّه المحضن الذي يربي الأجيال ويصنع الرجال العظام والنساء العظيمات.
إن بعض الناس ينظرون إلى جانب من الصورة فيسيئون الحكم عليها، ولكننا إذا نظرنا إلى الصورة من جميع جوانبها فلن تكون سلبية وسيئة بشكل مطلق يوحي بالسقوط، ولا إيجابية بشكل مطلق يوحي باللاواقعية. ولهذا فقصة أن تكون المرأة زوجة كقصة أن يكون الرجل زوجاً، وقصة أن تكون المرأة أمّاً كقصة أن يكون الرجل أباً، وإذا كانت الأمومة تضغط على المرأة من خلال ما تتحمله من صعاب جسدية ونفسية، فإن الأبوّة تضغط على الرجل لما تفرضه من مسؤوليات عن البيت الزوجي تضطرّه إلى الهجرة والاغتراب سعياً وراء العمل وتأمين مستلزمات العائلة، وإذا كانت المعاناة بينهما تختلف في طبيعة الشكل، فإنها تتفق في طبيعة الجوهر فيما هو الضغط وفيما هي الآلام والمعاناة التي تصنع الحياة.

تربية أولادها
اتضح مما سلف أن فاطمة "ع" عاشت حياةً متعددة في وقتٍ واحد، وتحمّلت مسؤوليات كثيرة في آنٍ واحد، فمضافاً إلى مسؤوليتها مع رسول الله "ص" وعنه، حتى أنه لم يقبل أن تفترق عنه حتى بعد زواجها، ولذا لم يرض أن تسكن في بيت بعيد عنه، بل ضمّها إلى البيت الذي يقارب بيته بحيث يدخل من بيته إلى بيتها، ومضافاً إلى مسؤوليتها مع علي "ع" الذي أخلصت له كزوجة وهيأت له الجو الذي يحتاجه الزوج المسلم المجاهد في مستوى علي "ع".. مضافاً إلى ذلك كله، فإنها "ع" قد قامت مع علي "ع" بتأسيس بيت إسلامي نموذجي عاشا فيه الأبوّة والأمومة، وأنجبا حسناً وحسيناً وزينباً "ع"، وقامت الزهراء "ع" بدورها كأمٍ ترعى أولادها وتربّيهم وهم يتتابعون، وهي على ما هي عليه من الضعف، تربيهم التربية الإسلامية الرائعة، وتعمق في شخصياتهم كل معاني الحب لله، وكل معاني السّير في خط رسول الله، وكل معاني الجهاد في سبيل الله، وتعطيهم كل الطهر من طهرها، وكل الأمومة من أمومتها، وكل النقاء من نقائها، لأنها كانت تمثل غاية الطهر والصفاء، وكذلك كان أبوها وبعلها، وهكذا ابناها.. كان الطهر يفيض من عقولهم وقلوبهم وحياتهم، فلا يدنو الرجس منهم، ولأنهم كانوا كذلك أنزل الله فيهم قوله: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) الأحزاب:33.
لقد تحمّلت الزهراء سيدة نساء العالمين مسؤولياتها كربّة بيت، وأجهدت نفسها في إدارة شؤون هذا البيت وإعداد أولادها إعداداً إسلامياً نموذجياً وتعليمهم معنى الجهاد في سبيل الله، سلماً كان الجهاد، كما في قضية ابنها الإمام الحسن "ع"، أو حرباً، كما في قضية ابنها الآخر الإمام الحسين "ع".
إن سر فاطمة "ع" ـ كما هو سر علي "ع" ـ يكمن في كل هذا الفيض الروحي والعطاء المعنوي الذي أعطته لأبنائها حتى صاروا يمثّلون الكواكب المضيئة في الواقع الإسلامي كله، رغم المعاناة التي عاشوها كما عاشها من قبل أمهم وأبوهم وجدهم.. تلك المعاناة التي لم تكن معاناة شخصية وذاتية، بل كانت معاناة في خط الرسالة، وهذا ما جعلهم يتقبلونها بكل رحابة صدر، كما عبّر الإمام الحسين: "ع" عن ذلك بقوله: «هوّن ما نزل بي أنه بعين الله»، وعبّرت عنها زينب "ع" بقولها: «اللهم تقبل منا هذا القربان»، وقولها للطاغية ابن زياد: «والله ما رأيت إلا جميلاً». وكيف لا يكونون كذلك وقد شاهدوا أباهم وأمهم من قبل يظلمان ويعانيان ويتألمان من أجل الرسالة، ومع ذلك يقول أبوهم علي "ع": «لأسالمـنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة».
فالقضية عند أهل البيت هي رضا الله، وأن تسلم أمور المسلمين، ولو تحمّلوا كل الظلم والجور والمعاناة وقدموا أنفسهم شهداء وقرابين لله الواحد الأحد.
إعدادها لابنتها زينب "ع"
أعدت الزهراء ابنتها زينب إعداداً رسالياً، وربتها على القيم والفضائل الإسلامية، ومن هنا رأينا أن دور زينب كان شبيهاً بدور أمها، جهاداً من أجل قضية الحق، وأن موقفها كان كموقف أمها في صلابته وقوته في الله، وأن تحدّيها كان كتحدي أمها في مواجهة الظالمين، ولهذا فإن موقف زينب، كما موقف أمها من قبل، يمثل الشرعية لحركة المرأة المسلمة ومشاركتها في العمل الجهادي والسياسي بالطريقة الإسلامية، بأن تقف المرأة في وجه الانحرافات أو الانهيارات التي تحدث في الأمة، لتتحدث بوعي مسؤول ولتقف موقفاً مسؤولاً كما وقفت زينب "ع" ـ على خطى أمّها الزهراء "ع" ـ خطيبة صادعة بالحق في قوة منطقها وحجتها، وصلبة في مواجهة التحديات والصّعاب، وشجاعة في كل المبادئ، وكل ذلك كان بفضل البذور التي زرعتها فاطمة في عقلها وروحها وقلبها وكل حياتها.

حياتها والمعاناة
تحكي لنا سيرتها قصصاً معبّرة ومؤثرة في هذا المجال، منها :
1 ـ أنه لم يكن لديها إلاّ جلد كبش تستفيد منه كفراش، وقد قالت في ذلك لأبيها: «والذي بعثك بالحق نبياً، ما لي ولعلي منذ خمس سنين إلا جلد كبش نفترشه بالليل، ونعلف عليه بعيرنا في النهار، وإن مخدتنا حشوها ليف».
كانت تحدث أباها بذلك وهي راضية مطمئنة قانعة بما قسم الله لها.
2ـ وفي الحديث عن الإمام الصادق "ع" ، أنّ رسول الله "ص" رأى فاطمة "ع" وعليها كساء من نوع رديء وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله "ص" وقال: «يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة».
3 ـ وقد شاهدها أحدهم وبين يديها شعير تطحنه وهي تقول: {وما عند الله خيرٌ وأبقى} القصص:60.

ذكر الله خير من الخادم
4 ـ وقد قال لها زوجها أمير المؤمنين "ع" ذات مرة وهو يرى آثار التعب والإعياء والمعاناة والمشقة عليها. ماذا لو جئت أباك لنطلب منه خادماً يريحك بعض الشيء ويخفف متاعبك، لكنها "ع" امتنعت أن تكون هي المبادرة لهذا، حياءً من رسول الله "ص"، ولذلك لما وصلا إلى الرسول كان المتحدّث علياً "ع"، فقال وهو يخاطب رسول الله "ص": «إنها طحنت بالرحى حتى مجلت يداها ـ اخشوشنت ـ وأثّر في صدرها، وكنست البيت ـ أو كسحت البيت ـ حتى اغبرّت ثيابها ـ وكأنه قال: وهي تعاني من مشاقّ المنزل وما يرافقه من تربية الأولاد.. وطلب منه خادماً فقال "ص": «ألا أعلّمكما شيئاً إذا تعلمتماه كان خيراً من الخادم، إذا أخذتما منامكما فكبّرا الله أربعاً وثلاثين مرة، واحمداه ثلاثاً وثلاثين مرة، وسبّحاه ثلاثاً وثلاثين مرة، فهو خير لكما من الخادم، فقالا: رضينا بالله».
قال النبي "ص" ذلك وهو يخاطب روحهما ليرتفع بهما إلى أعلى مراتب الكمال، وليربطهما بالله سبحانه، وليخفف عنهما، لا سيّما فاطمة، ما يلاقيانه من متاعب ومصاعب، وربما كان الرسول "ص" لا يملك خادماً يقدمه لهما، أو كان يملكه ولكنه لا يريد أن يميّز بيته وبيت ابنته عن بيوت بعض الفقراء الذين ربما لا يملكون خادماً، ولذا علّمهما ما هو خير من الخادم، وخلّد بذلك ما عرف بتسبيح الزهراء "ع" الذي بقي وسيبقى ذكراً يتحرك به المؤمنون عقيب كل صلاة يصلّونها وقبل أن يخلدوا إلى النوم كل ليلة من لياليهم، متذكرين بذلك قساوة عيش سيدتهم الزهراء التي ابتعدت عن متاعبها وتناست همومها وهي تجلس بين يدي ربها لتكبّره وتحمده وتسبّحه، وليتعلموا من خلالها "ع" كيف يكون العيش مع الله وكيف يأنسون للخلوة معه ويتلمسون حلاوة ذكره عندما تداهمهم الهموم وتهاجمهم الصعاب والآلام.
إن النبي "ص" يريد من خلال هذا العطاء الذي قدمه لفاطمة بدلاً من الخادم، أن يقول لها ولعلي وللمؤمنين من خلالهما، اصبروا وليكن صبركم بالله وفي سبيله، فإن المعاناة في هذه الحياة إذا كانت في سبيل الله فإنها أحلى من الشهد.
حزن علي "ع" على البتول
لقد عاش علي "ع" مع فاطمة "ع" مدة قصيرة في حساب الزمن، ولكنها كبيرة في معنى القيم، فقد كانت تناغي بروحها روحه، وتضم عواطفها إلى عواطفه، وتعطيه المحبة وتشاركه الهموم وتخفّف عنه الأحزان، كانت سلوته الوحيدة في الزمن الذي عزّ فيه الصديق وغدر فيه الزمان وقلّ فيه الناصر والمعين، كانت تجسّد رسول الله أمام ناظريه في كل أقوالها وأفعالها، فكيف كان حال عليّ وهو يراها مسجّاة أمامه وقد فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها؟ كيف كانت مشاعره وعواطفه وهو يوسّدها في ملحودة قبرها؟
لقد كان علي يشعر بالسكينة والاطمئنان وهو إلى جانب رسول الله "ص" ، فلمّا غاب الرسول بقي يعيش السكينة والطمأنينة الروحيّة مع الزهراء البتول، فلما غابت الزهراء "ع" شعر عليّ بالغربة وأحسّ بالوحدة وامتلأ قلبه بالحزن الكبير، لا من جهة فقد قرابة هنا أو قرابة هناك، بل لأنه لم يعدْ يوجد إنسان يعيش معنى علي "ع" ويعيش علي "ع" معناه، لم يعد يوجد إنسان يلجأ إليه علي "ع"، كما كانت فاطمة "ع" ، لأنها كانت كفؤاً لعلي "ع"، كما كان علي "ع" كفؤاً لها، كان عقلها عقله وقلبها قلبه، فهما صنيعتا رسول الله وتلميذاه اللذان نهلا من معين علمه. ولهذا أحسّ عليّ بفقدها أنه فقد كيانـه، ومن يفقد كيانه فلا بدّ أن يشعر بالغربة عن هذا العالم.
وداع الزهراء "ع"
ونستشعر وقع هذه الغربة وأليم الحزن ولوعة الفراق التي أصابت علي "ع" بفقد الزهراء من الكلمات الحزينة التي قالها "ع" في تأبين الزهراء ووداعها، فقد روى الشريف الرضي في نهج البلاغة عن الإمام الحسين "ع"، أنّ مما ودّع به علي "ع" زوجته فاطمة "ع" قوله: «السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك ـ وفي هذا إشارة إلى أنها دفنت إلى جوار رسول الله "ص" ، كما سيأتي في الحديث عن موضع قبرها ـ والسّريعة اللحاق بك.. قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ـ فقد وصلت إلى حدٍّ أكاد أفتقد فيه الصبر، وهذه مبالغة فيما كان يتحسسه من ألم الفقد، وإلاّ فإن علياً "ع" هو الصابر الذي لا صبر كصبره ـ ورقّ عنها تجلّدي ـ أي لم أستطع أن أتماسك ـ إلا أنّ لي في التأسي بعظيم فرقتك ـ فلقد فارقتك وأنت الأعظم والأبرّ والأحبّ والأقرب ـ وفادح مصيبتك ـ لأننا فقدنا بفقدك الوحي الذي كان ينزل علينا من السّماء بألطافه كلها، كان لي في ذلك ـ موضع تعزّ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ـ لأنه قام بتغسيله وتجهيزه وتكفينه ودفنه والقوم مشغولون في السقيفة ـ وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنّا لله وإنا إليه راجعون ـ فإن روحه الشريفة فاضت إلى بارئها وعلي "ع" يحتضنه ويضمه إليه.
فلقد استرجعت الوديعة ـ أي الزهراء التي كانت عند علي "ع"وديعة، وقد حافظ عليها أعظم محافظة، لا كما يقول البعض من أنه آذاها في بعض الأعمال ـ وأخذت الرهينة، أما حزني ـ الذي يعيش في القلب حزناً رسالياً يتحسس معنى من فقد ـ فسرمد ـ أبدي ـ وأما ليلي ـ حينما أفتقدك يا رسول الله، يا من كنت أنس نهاري، وأفتقد ابنتك التي كانت أنس ليلي ـ فمسهّد ـ فلا تستطيع عيني أن تغفو وتنام، لأن ذكرياتكما تفرض عليّ اليقظة ـ إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ـ فأنا وحدي، أعيش في الليل وحيدا، وأسير في النهار وحيدا وإن كان الناس كلّهم معي، لأن العلاقة العميقة بين رسول الله "ص" وبين علي "ع" هي علاقة لا نظير لها، فرسول الله "ص" هو أبو علي بالتربية ومعلّمه ومرشده وأخوه ورفيقه، ولذلك نمت بينهما علاقة لا فراغ فيها قطّ ـ وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ـ في ما تعرّضت له من مظالم ـ فأحفّها السؤال ـ فقد حدثت لها ولأمّتك كلها بعد رحيلك مشاكل كثيرة وحوادث أليمة ـ واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر ـ فلا يزال ذكرك يعيش فينا ولم يطل عهدنا بك، ومع ذلك حصل ما حصل ـ والسلام عليكما سلام مودّع، لا قالٍ ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين» ، فلست جزعاً عندما أقف على قبرك وقبر ابنتك مودعاً، ولست متنكراً لقضاء الله وقدره، وأنا أعلم أن الدنيا لا تدوم لأحد من الخلق، وأنه لا يبقى إلاّ وجهك الكريم، تعاليت عن الموت والفناء واختصصت بالعزّ والبقاء.

استشهادها "ع" .. ودفنها ليلاً

أوصت علياً "ع" أن يدفنها ليلاً، وأن لا يحضر جنازتها الذين ظلموها واضطهدوها وسلبوها حقها. ولقد أرادت أن تعبر عن معارضتها ومجابهتها للعدوان والظلم حتى بعد الموت، كما عبّرت عن ذلك حال الحياة، وأرادته احتجاجاً غاضباً قاسياً، لكنه واعٍ بالأساليب الحكيمة والحجج المقنعة والمواقف القوية، لأن الناس سينطلقون بالتساؤل: لماذا تدفن بنت النبي "ص" ليلاً؟ لماذا أوصت بذلك؟ وما هي القضية، فهذا لم يسبق له مثيل في الواقع الإسلامي، والجميع كانوا ينتظرون المشاركة في تشييع بنت نبيهم، وإذا بها تشيّع وتدفن ليلاً ويقال لهم إن ذلك كان التزاماً بوصيتها ! وهكذا يبدأ التساؤل ويكثر في أوساط المسلمين لماذا ولماذا؟ وهذا ما تريده الزهراء "ع" ، لتستيقظ الضمائر ويعرف المغفّلون طبيعة اللعبة ومجريات الأمور.

تسوية قبرها
وكان من جملة وصاياها التي أوصت بها أمير المؤمنين "ع" أن يسوّي قبرهــا ويخفيه، ليكون ذلك دليلاً وشاهداً على كل الظلم الذي لحق بها، والاضطهاد الذي تعرضت له، ولتخلّد بذلك احتجاجها على القوم الذين ظلموها.وعمل علي "ع" بوصيتها هذه، فدفنها ليلاً وعفى موضع القبر. وبقي موضع قبرها مجهولاً، ولم يستطع أحد التعرف عليه، وقد ورد تعيينه في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت "ع"، ففي بعضها أنّها دفنت في بيتها، وفي البعض الآخر أنها دفنت في الروضة، واختاره بعض العلماء وأيّده بالرواية المعروفة: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة»، وهناك قول ثالث يرى أنها دفنت في البقيع، وهو مروي أيضاً.
الخلاصة
عندما نريد ان نطل على حياة سيدتنا فاطمة الزهراء "ع" فلا بد ان ناخذ بنظر الاعتبار انها من اهل البيت "ع" الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وانها هي المظهر الحيّ لفضائل وشمائل ابيها رسول الله "ص" في كل كلماتها وأعمالها، في زهدها وعبادتها، في أخلاقها ومشاعرها، في إيمانها وتقواها. فاطمة "ع" هي الاسم الذي عندما نذكره أو نتذكره فإنه لا يوحي لنا إلا بالطهارة كأصفى ما تكون الطهارة، وبالنقاء كأعذب ما يكون النقاء، وبالإنسانية التي تعطي الإنسان قيمته، وبالعصمة التي تتمثلها فكراً في فكرها، وخلقاً في أخلاقها، وسلوكاً في كل حياتها، وشجاعة في الموقف مع الحق، شجاعة رسالية لا شجاعة انفعالية.. كانت وقفاتها وقفات من أجل الحق، وكان حزنها حزن القضيّة وفرحها فرح الرسالة، ومثّلت عمق الإسلام في عمق شخصيتها، واختزنت في داخلها كل الفضائل الإنسانية الإسلامية، بوصفها سيدة نساء العالمين يفرض أن تكون في المستوى الأعلى من حيث القيمة الروحية والأخلاقية... فسلام عليها يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً ..
زيارتها "ع"
السَّلامُ عَلَيْكِ يا مُمْتَحَنَةُ، إِمْتَحَنَكِ الَّذِي خَلَقَكِ فَوَجَدَكِ لِما امْتَحَنَكِ صابِرَةً، أَنا لَكِ مُصَدِّقٌ صابِرٌ عَلى ما أَتَى بِهِ أَبُوكِ وَوَصِيُّهُ صَلَواتُ الله عَلَيْهِما، وَأَنا أَسْألُكِ إِنْ كُنْتُ صَدَّقْتُكِ إِلاّ أَلْحَقْتِيِني بِتَصْدِيقِي لَهُما، لِتُسِرَّ نَفْسِي، فَاشْهَدِي أَنِّي ظاهِرٌ بِوَلايَتِكِ وَوَلايَةِ آلِ بَيْتِكِ صَلَواتُ الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

صلاتها "ع"
ومنها: صلاة فاطمة (صَلَواتُ الله عَلَيها): رُوي انَّهُ كانت لفاطمة "ع" ركعتان تُصلَّيهما عَلَّمها جبرائيل "ع". تَقرأ في‌الرّكعة الأولى بعد الفاتحة سُورَة القدر مائة مَرَّة، وَفي الثّانية بعد الحَمد تَقرأ سُورَة التَوّحيد، وإِذا سَلَّمتْ قالتْ:
( سُبْحانَ ذِي العِزِّ الشَّامِخِ المُنِيفِ، سُبْحانَ ذِي الجَلالِ الباذِخِ العَظِيمِ، سُبْحانَ ذِي المُلْك‌ِالفاخِرِ القَدِيمِ ، سُبْحانَ مَنْ لَبِسَ البَهْجَةَ وَالجَمالَ، سُبْحانَ مَنْ تَرَدَّى بِالنُّورِ وَالوَقارِ، سُبْحانَ مَنْ يَرى أَثَرَ النَّملِ فِي‌ الصَّفا، سُبْحانَ مَنْ يَرى وَقْعَ الطَّيْرِ فِي‌الهَواءِ، سُبْحانَ مَنْ هُوَ هكذا لا هكذا غَيْرُهُ ). ورُوِيَ أَنَّهُ يُسبِّح بعد الصلاة تسبيحها المنقول عقيب كُلّ فَريضَة ثمَّ يُصلِّي على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد مائة مَرَّة.

دعاء النور المرويّ عنها "ع"
( بِسْمِ الله النُّورِ بِسْمِ الله نُورِ النُّورِ بِسْمِ الله نُورٌ عَلى نُورٍ بِسْمِ الله الَّذِي هُوَ مُدَبِّرُ الاَمُورِ بِسْمِ الله الَّذِي خَلَقَ النُّورَ مِنَ النُّورِ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ مِنَ النُّورِ وَأَنْزَلَ النُّورَ عَلى الطُّورِ فِي كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ عَلى نَبِيٍّ مَحْبُورٍ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي هُوَ بِالعِزِّ مَذْكُورٌ وَبِالْفَخْرِ مَشْهُورٌ وَعَلى السَرَّاءِ وَالضَرَّاءِ مَشْكُورٌ وَصَلّى الله عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ ).




المصادر
1) بحار الأنوار ج40/ محمد باقر المجلسي.
2) وسائل الشيعة / الحرّ العاملي.
3) الكافي ج2/ الكليني.
4)الإرشاد ج13/ الشيخ المفيد.
5)فاطمة الزهراء (القدوة) / سماحة اية الله السيد محمد حسين فضل الله.
6) مفاتيح الجنان.




 

 

 

موقع العتبة الكاظمية المقدسة - info@aljawadain.org