كلمة الأمين العام للعتبة الكاظمية المقدسة إ.د. حيدر حسن الشمري لمناسبة أربعينية المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سره)


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل العلماء ورثة الأنبياء ومدادهم أرجح من دماء الشهداء، والصلاة والسلام على المصطفى الأمجد أبي القاسم المصطفى المحمود الأحمد وعلى الميامين الأخيار من آل محمد..
السلام على الإمامين الهمامين موسى بنِ جعفرٍ الكاظمِ ومحمدِ بنِ عليٍّ الجوادِ ورحمة الله وبركاته..
السلام على سيد ومولاي صاحب العصر والزمان إمامنا المهدي المنتظر ورحمة الله وبركاته. (عجل الله فرجه الشريف).
السادة الأجلاء الشيوخ الأكارم أصحاب السماحة والفضيلة الحضور الأعزاء مع حفظ الألقاب والمقامات.. السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته..
نرفع آيات الحزن والألم والأسى لنعزي إمام العصر والزمان الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف)، ومراجعنا العظام وعلماءنا الأعلام وكل المؤمنين والمؤمنات سيما أسرة الفقيد السعيد المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى محمد سعيد الحكيم (قدس الله نفسه الزكية) بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيله المؤلم.
عندما يرحل العالم يُثلم الإسلام ثُلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة، وينطفئ من مصابيح الأرض ما كان يبعث أنوارا في ربوع العالمين.. عندما يرحل عظيم من عظماء الأمة يصاب الفؤاد باللوعة لكونه افتقد حاميا من حماتها ومحافظا على رسالتها وركنا شديدا يأوي إليه الناس بل فَقَدَ أحد خلفاء الأنبياء ووريثا لرسالة السماء.. فقد روي عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله): "العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي وورثة الأنبياء".
نقف اليوم لتأبين عَلَم من أعلام الأمة وطوداً شامخا خط بيده دروب الصبر والجهاد، وبقلمه سُبُل العلم والفضيلة، وبمداده رسائل الإسلام إلى العباد.. إنه سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (طيب الله ثراه).. فبعد مرور أربعين يوما على فراقه المفجع نجتمع اليوم في رحاب القداسة والطهر من جوار الإمامين الكاظمين الجوادين لنؤبّن عالما ربانيا كرّس حياته للعلم والتدريس والتأليف ونذر نفسه لخدمة الدين والمذهب والدفاع عنهما في جميع محطات حياته المليئة بالعلم والجهاد ومقارعة الظالمين.. رجلا لم يخف في الله لومة لائم إذ عانى خلال أكثر من ثماني سنوات في سجون الطاغية في العهد المباد متعرضا لمختلف وسائل وأنواع التعذيب الجسدي وكان ثابتا صابرا خلال تلك المدة العصيبة يعمل على شد عزيمة السجناء المؤمنين وتقويتهم فكان ملاذا لهم عند الشدة والخوف يستلهمون منه شجاعة علي وصبر الحسن وجهاد الحسين (صلوات الله عليهم).. ولم يكبله السجن عن خدمة العلم والشريعة فقد ألّف العديد من كتبه في السجن، وكانت تأليفاته بشكل سري بعيدا عن أعين الظالمين.. بل كان بعين الله، فلم ينقطع عن رحلة العلم والبحث، وهكذا ظل السيد الفقيد مشغولا طيلة حياته بالتأليف والتدريس والإرشاد والتوجيه وخدمة المؤمنين ولطالما عايش التحديات التي تواجهها الأمة ووعى مسؤولية علماء الدين وتصديهم للتيارات المنحرفة، فحمل هموم الناس على ظهره الذي قوّسته حملات التعذيب في سجون حزب العبث الصدامي المجرم وتنوع نشاطه واهتم بإحياء المناسبات الدينية بإلقاء المحاضرات الثقافية العامة وكان يشارك زوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام في زيارة الاربعين بالمشي نحو كربلاء المقدسة رغم سنوات عمره ووضعه الصحي الخاص.
لا نرثي اليوم رجلا عاديا أو شخصا يطويه الزمن.. بل نقف اليوم بمشاعر عميقة تشتعل فيها الحسرة والألم لرثاء رجلٍ بأمّة.. هو رجل عمل على خدمة الكثيرين الذين تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقهر ليتحول بهم من الهزيمة إلى النصر في الجهادين: الأكبر والأصغر.. ومواجهة التشرذم المجتمعي والطائفية والإرهاب الداعشي جنبا إلى جنب مع مرجعية النجف الأشرف.
السادة الحضور الأحبة الكرام ..
عندما نتأمل بيان سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) حينما نعى سماحة المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (طاب ثراه) سيشعر من لا يعرفه عن كثب بعلو مقامه (قدس سره) ومكانته العظيمة في نفوس المراجع والعلماء وفي الحوزة العلمية الشريفة فقد لقبّه بالعالم الرباني وهي أعلى منزلة للناس عندما صنفهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بقوله: (الناس ثلاثة: فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع) فسماحة السيد الحكيم كان في أعلى سلم الكمال في العلم والمعرفة والتقوى والورع.. وكذلك نعته السيد المرجع في بيانه بـ (فقيه أهل البيت) وهذا شرف لا يدانيه شرف بأن ينسب لأهل بيت العصمة والطهارة ليس بالنسب العائلي فحسب بل بالفقاهة والعمل وخدمة الشريعة المقدسة.
ومن جانب آخر يعزي البيان صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) في فَقدِ هذا العالم الجليل وهو دليل على أنه (قدس سره) قد بلغ من الإخلاص والتفاني ما كان محل رضا الإمام الحجة فكان هو المعزى الأول أرواحنا له الفداء.
ومن مواقفه التاريخية (قدس سره) فقد أشاد سماحته بالملبين لفتوى الدفاع الكفائي معربا عن أمنيته بأن يكون واحدا منهم حيث قال: (لو لا وجود خوف من الله تعالى والشعور بالواجب لما استطعنا أن نقف هذا الموقف من داعش.. هذا الموقف العنيف قد هزم داعش والشعب الذي هزم داعش لديه دين ويشعر بما يتوجب عليه.. نحن نشعر بالمسؤولية أمام واقعنا وليس همنا الدنيا والرواتب.. لقد رأينا أن مصدر قوتنا في الدنيا هو ديننا لذلك يجب علينا أن نعمل على تقوية هذا الدين.. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشركني في ثوابهم فأنا أتمنى الآن أن أكون معهم لكن وضعي الصحي أصبح أعجز من أن أمشي خطوات فضلا عن أن أمشي مسافات).
ولم تغفل المرجعية الأبوية لسماحة السيد الحكيم (قدس سره) عن شريحة الأيتام حيث انطلقت في العام 2007 مؤسسة اليتيم الخيرية بتوجيه من المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (طاب ثراه) وبإشراف ودعم مباشر من قبل مكتب المرجعية المباركة وهي مؤسسة إنسانية تقدم الرعاية المختلفة الى الأيتام الذين فقدوا آباءهم بصورة طبيعية أو بسبب المرض أو جرّاء العمليات الإرهابية وأيتام شهداء فتوى الدفاع الكفائي المُلبين للنداء المقدس والى الأرامل والنازحين والمنكوبين بسبب الكوارث الطبيعية وغيرها بغض النظر عن اللون والعِرق والدين.
نعم.. رحل عنا العالم الرباني بصمت لكن الأيام والكتب والقراطيس ستتحدث عنه ولا تعرف الصمت.. وإن غاب شخصه عن مشهد الحياة فسيبقى خالدا في ضمائر الموالين وفكره حيا في ألباب الناس.. ونستذكر هنا قول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): "هلك خُزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة".. فهنيئا لك سيدي الحكيم هذا البقاء.. سيدي الحكيم لقد عشت سعيدا في طاعة الله تعالى وخدمة النبي وآله وخدمة أيتام آل محمد ورحلت سعيدا في ذات يوم ذكرى استشهاد جدك الإمام السجاد (عليه السلام) فسلام عليك يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تبعث حيا.
ولله در الشاعر حينما قال:
يا أيها العَلَمُ الحكيمُ تصدعت *** لما رَحَلتَ شعائرٌ وعلوم
كنت الأب الراعي لها فتيتمت *** هيهات بعدك أن يقرّ يتيم
شابهت زين العابدين بمحنةٍ *** وبيوم فقدٍ فالمصاب جسيم
أنت السعيد بقرب جدك في الثرى *** مسك ومزاجه تسنيم
والقائم المهدي بعدك قلبه *** طول الغياب مقرح مكلوم
لا صوّت الناعي يؤرخ ناعياً *** يوم على آل النبي عظيم
نسأله تعالى أن يتغمد فقيدنا برحمته الواسعة ويحشره مع النبي وآله في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأن يحفظ علماءنا الأعلام المحامين عن بيضة الإسلام والشريعة المقدسة ويحفظ البلاد والعباد من كل سوء وبلاء إنه سميع الدعاء.. وبقلوب مؤمنة ونيات صادقة لنتوجه في هذا المقام بدعاء تعجيل الفرج لإمام عصرنا وزماننا: (اللّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الْحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِهِ في هذِهِ السّاعَةِ وَفي كُلِّ ساعَةٍ وَلِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَليلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فيها طَويلاً برحمتك يا أرحم الراحمين) والحمد لله أولا وآخرا وصلواته وسلامه على رسوله وآله دائما سرمدا.. والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
الجمعة 1 ربيع الأول 1443هـ/ 8/10/2021م